|
مقابر جامعية أم مقابـر جماعيـــة؟
د . فهمي الفهداوي
لطالما كنت أؤجل تناول سوء الأوضاع الأدبية
والعلمية في الأوساط الجامعية والمؤسسات
التعليمية والأكاديمية ، مكتفيا بإحالتها إلى
ضعف الإدارة القائمة في تمشية المهام ، وإلى
جمود القيادة وارتهانها برؤساء وعمداء جُباة
وليسوا هُداة ، دون الغوص في تناول ضعف العقول
الأكاديمية وفقر منتوجها ، الذي يعدُّ أحد
الأسباب الرئيسة في قيام ما يسمى ( المقابر
الجامعية ) ، التي تعادل في وجودها وربما تزيد
عن وجود ( المقابر الجماعية ) .
إذْ أنَّ تدهور العقول العلمية والأكاديمية ،
قد يتجاوز في تأثيراته وانعكاساته السلبية على
المدى المستقبلي البعيد ، ما يمكن أن يخلّفه
التدهور السياسي ضمن البيئة الواحدة ، أو تلك
التي تُوصف بالتجانس الديموغرافي ، فمثلما
السياسة لكل الناس كما نتمنى ، مثلما التعليم
وبلورة العقل العلمي لكل الناس أيضا .
فقد لفت اهتمامي قبل فترة ، ضمن موقع صحيفة
الحقائق ، مقال الكاتب والإعلامي الدكتور فيصل
القاسم ، المعنون : ( بؤس الأكاديميا العربية
) الذي فتح من خلاله غطاء ما يسمى القنينة
البيضاء وكشف ما تحتوى عليه من السواد ، وقد
آثرت أن أتناول هذا الجانب المهم عبر تشخيصات
نابعة من داخل السلوك الأكاديمي ذاته والمجال
الحيوي الذي يحيط به ، وقد كان الدكتور القاسم
محقا في وصف الحالة الأكاديمية والأكاديميين
بالبؤس والغياب ، نظرا لقلّة المتاع العلمي
وعدم قدرة الأكاديميين على التفاعل مع الواقع
الساخن والتحولات المجتمعية المتبدلة ، وهذا
قد يصدق في انطباقه على الساحة الأكاديمية
العراقية ، بأكثر من الساحات الأخرى ، بسبب
الاحتلال والفساد واختلال الموازين وغياب
الموضوعية التفاعلية عن الأحداث والمشكلات
اليومية والحياتية الحاصلة ، من لدن دُعاتها
المفترضين .
فلدينا كم هائل من عقول أكاديمية حاملة لدرجة
الأستاذية في العلم والمعرفة ، ولا شيء
ملموساً أو مؤكداً عمليا وسلوكيا على أرض
الواقع ، يشير إلى فائدة نابتة من تخصصاتهم ،
عدا حملهم للمسطرة الأكاديمية التقليدية بحق
طلابهم ، ومعاملتهم بفوقية ونرجسية مغالية ،
وثمة أكثر من علامة استفهام تحوم حول مصداقية
شهاداتهم أو حول أحقيّة تمتعهم باعتباراتها
المعنوية والأدبية ، قياسا مع سلوك بعضهم
الغارق بالفساد وعدم المسؤولية .
كما ان لدينا أمثالهم ممَّن غادر تخصصه الدقيق
الموجود ، ليكون عالة متطفلة على تخصصات أخرى،
أو الانخراط في مناصب إدارية هابطة المستوى ،
اضطلاعا متماشيا مع شبكة المصالح وإستحصاد
المنافع الذاتية والإيفادات ، كوجه متستر وغير
مقبول من وجوه البطالة المقنَّعة طبق للمعايير
الإدارية ، وكحالة تخلّفية من حالات استشراء
ظاهرة الأميّة العلمية طبقا للمعايير
الأكاديمية .
إنَّ أيَّة جامعة ستكون مقبرة للعقول
الأكاديمية أو مصحّة عازلة لسجن الأفكار ،
حينما تسيطر عليها البيروقراطية الإدارية
والأهداف المصلحية المعششة في قرارات رؤسائها
اللامبدعين ، والساعين إلى تحويل أساتذتها إلى
قطيع مستكين في إطار المنافقة والولاء
والتحزبية المصلحية الضيقة وتقاسم الامتيازات
، على حساب الانفتاح ودعم المبادرات الحقيقية
الخلاقة وخلق الأجواء الصحية ، التي تصبُّ في
خدمة المجتمع والمصلحة العامة كما أنَّ أيَّة
جامعة ستكون غارقة في تخوضها السلبي ، الذي قد
يقضي عليها تماما ، حينما تفتعل المبادرات
المجاملاتية ، أو تُلزم ذاتها بآلية تطوير
مرسومة منهجيتها على أساس التمسك بالانكفاء
الشللي والرغبة السوبرمانية المنحصرة في أشخاص
مُحدَّدين بدوافع حزبية أو سياسية أو منسوبية
أو محسوبية ، دون مشاركة الجميع التي تقتضيها
مسلمات الدوافع العلمية والأخلاقية المعرفية
الإيجابية .
ففي تجربة فاشلة لإحدى الجامعات العراقية ، تم
تشكيل وحدة متخصصة للنهوض بالجامعة ، لكي
تتخلص من إخفاقها الملازم لها ، وتبين لاحقا
إن ْلم نقل مبكرا بأنَّ هذه الوحدة ، التي
فشلت في تفاعلها مع مختلف العقول الأكاديمية ،
قد حبست برنامجها في مستلة واحدة بائسة للنهوض
، مسروقة من الأنترنيت دون خجل ، خلصت إلى
تعليم العقل الجامعي كيفية زرق الإبر وردم
الحفر ، ضاربة عرض الحائط بجميع الدعوات
الإصلاحية المعارضة لها ، لكونها وحدة تشكّلت
حسب مزاج رئيس الجامعة المؤدلج وزبانيته
المنافقون وهذا أدَّى إلى أن تتحول الجامعة
إلى مكان للتفرق والتشرذم والصراعات ، وجعلها
مقاطعة للمكلّفين بإدارة شؤونها ، لتسوء
أحوالها فيما بعد بشكل ملحوظ ، بسبب إنكفائية
العقل العلمي القيادي ، وتعاقب أدواره ضمن
دائرة الغموض وموت الأخلاقية .
إنَّ عدم تفعيل مدونات ناجعة أو مواثيق
أخلاقية للسلوك الأكاديمي النزيه قولا وعملا ،
تأخذ بالاعتبارات العلمية والموضوعية في إطار
الأحقيّة والجدارة والمكانة العلمية وعمل
الفريق الفاعل ، وتكون مُلزمة للتواصل مع
المجتمع وحياة المواطنين ، والسعي إلى تخفيف
معاناتهم وتثقيفهم إزاء متطلبات الحياة وتذليل
مصاعبها للارتقاء بهم نحو الأفضل والأحسن ،
سيكون وبالا على العقل الأكاديمي ، وسيجعل من
الجامعات بؤرا وكهوفا للانشغال والتشاغل
بالخرافة والتخريف الإداري والموت العلمي
البطيء داخل الحرم الجامعي وأسوار الجامعة
الضيقة ، دون مساس ما يهمَّ الناس والمجتمع
بمختلف تنويعاتهم وتطلعاتهم .
فما تُقدّمه الجامعة للمجتمع والبيئة المحيطة
بها ، هو المعيار والمقياس وليس العكس ، وإذا
ما انكسرت جسور التواصل بين الجامعة والمجالات
الحيوية الأخرى القائمة في المجتمع وحتى
النائية عنها ، فهذا يعني أننا أمام فجوة
مدنية وثقافية وحضارية ، وأمام حالة عدم توحيد
في المعطيات والنتائج ، سببها الأول والأخير
يعود إلى غياب العقل الأكاديمي المتنور
والمتعطل بعيدا عن شمس الله وحيوية الأمانة
والمسؤولية ، وانحباسه في قمقم المحارير
والدوارق وقاعات التمثيل الجامدة ، وبهذا
ستنفقد أبجديات العقل والهوية في وقت واحد ،
وستكون الخسارة مريرة ومضاعفة ، إذْ مع وجود
مقابر الاحتلال الجماعية لأبناء الوطن ، ستصبح
لدينا مقابر جامعية للعقول الأكاديمية الوطنية
، وهذا شيء فظيع دون شك.
|