|
المأساة النفطية العراقية...!
د.مراد الصوادقي
أزمة الحياة في العراق تتلخص في أنها نفطية
كرسوية نسبة إلى الكرسي. وهي أزمة مصطنعة لكي
يبقى البلد في حالة قلق واضطراب وعدم استقرار.
وقد شاءت الأهداف المرسومة ومنذ تأسيس دولة
العراق , أن يبقى البلد في حالة فوضى سياسية
ضد روح الدستور والقانون, وأن تتواصل فيه
الصراعات على كرسي الحكم بعيدا عن الغايات
الوطنية والمصالح العامة لأبنائه. فأصبح
الكرسي كل شيء في حركة الحياة على مدى القرن
العشرين , وتراجع الوطن وغابت الراية وحل
محلها الانقلاب والثورة والصورة. وتنامت روح
الأنانية السياسية وسادت إرادة الحزب الواحد
على مدى العقود الدامية الحزينة , التي حفل
بها القرن العشرون وهاهو صاحبه القرن الجديد
يدشنها بأفظع المآسي والخطوب.ترى لماذا تم
تحويل العراق ومنذ البدء إلى أزمة كرسي , وإلى
وطن بلا قدرة على التفاعل الآمن واستثمار
الطاقات والقدرات وبناء الدولة المعاصرة؟
ولماذا تم تسخير كل ما في الوطن من موارد ,
لِما يتسبب في دماره وإهلاك أهله وتشريدهم
وتحويل الحياة فيه إلى ما يشبه الجحيم؟وقد لا
يتفق البعض مع ما يبدو أن للنفط دوراً رئيسياً
وفعالاً في هذا المضمار وغيره عوامل ثانوية
وتمويهية. فالعراق يمتلك أكبر مخزون احتياطي
منه وبنوعية جيدة وممتازة , تساهم في إدامة
حركة المصانع العالمية وتحقيق الإنتاج الدائم.
ولكي يبقى النفط خارج إرادة الوطن والسلطة أيا
كانت , لا بد أن تسود البلاد حالة عدم
استقرار, وأن يمضي أبناؤه في عناءاتهم الصعبة
ويلهو ببعضهم البعض , فيبتعدوا عن النفط
ويتركونه للذين يريدونه فيفعلون به ما يشاؤون
بحرية كاملة. ولكي تحقق الفوضى حالة انفعالية
تمنع أبناء البلد من النظر الواضح البعيد عن
التشويه والتشويش اليومي , الذي يستهلكهم
ويصادر حقوقهم ويقيد حركتهم ويمنع مشاركتهم في
بناء الحياة , ويدفع بهم إلى خرابها وقتل كل
مفيد فيها.وقد تسبب الطمع بالنفط بتفاعلات
سلبية متلاحقة أدت إلى صياغة الوضع القائم ,
وتحويل أبناء الشعب الواحد الطيبين المتحابين
إلى حالة أخرى غريبة وغير معهودة في تأريخه.
ودفعت بهم إلى تداعيات لا يقبلها العقل
والمنطق والضمير ولا يقرها العرف الاجتماعي
والدين, بل أن الأخير تم استخدامه كأداة
للدمار والعبث بالبشر المسكين , الذي يريد
الأمن والسلام ولقمة العيش البسيطة الشريفة من
غير عناء ومذلة.ووقعت الواقعة وفار التنور
وتأججت المشاعر وصب فيها زيت التداعيات
بأحداثها المرسومة وفقا لقوانين الإهلاك
والسحق والخراب . وتم صناعة البشر الذي تحول
إلى أدوات مرهونة بقدرات السيطرة عن بعد , لكي
يفعل ما لا يتفق ونهجه ونهج آبائه وأجداده ,
وأن يتقيأ الأعراف والقيم والمثل والتقاليد
ويتحرك وكأنه مخلوق قادم من جرم سماوي آخر,
ويدعي بأنه يمت بصلة إلى الشعب المبتلى به ,
ويريد أن يعبر عن أحقاده وسلبيات رؤاه باسم
الشعب المقهور.لقد تأكد دور النفط الرئيسي
والمصيري في حياة الكرسي وتوطدت العلاقة
بينهما , حتى تحول الكرسي إلى بئر نفط مشتعل ,
والجالس عليه يتقلب فوق النار إلى أن يسقط
محروقا متفحما في بئر الويلات. وهذا يفسر
المصير القائم لكل من جلس على الكرسي إلا ما
ندر. ولا زال الكرسي العراقي في أزمة مشتعلة
ومتنامية الأجيج لدرجة أنها امتدت لتمزج الشعب
بالكرسي, وأصبح ابن الشعب مصنّعا وفقا للكراسي
ويتحرك وفقا لإرادتها المسيّرة والمتغيرة وفقا
لتقديرات الحاجات البترولية وسياسات امتلاك كل
بئر في أرض العراق وشفط المخزون النفطي
بكامله.ومن لا يقر بأن النفط قد أسهم بصورة
أساسية بكل الأحداث في العراق , ومنذ بداية
القرن العشرين واكتشاف المحركات وحاجتها
الملحة للوقود لكي تتحقق الحركة والقوة
والسيطرة, فأن عليه أن يأتي بسبب آخر معقول
يفسر ما قد جرى ويجري حتى هذه اللحظة القاسية
من حياة العراق المعاصر, الذي يغرق في الخوف
والرعب والخطف والدمار والخراب اليومي والدنيا
بأسرها في صمت وإنكار وإسقاط وتبرير وتسويغ ,
وإسناد لكل النشاطات المؤذية التي تستهلك كل
ما في العراق من طاقات , وتعاقب أهل البلد
وترمي بهم في حالات يرثى لها في البلدان
الأخرى , والتي كأنها قد تلقت التوجيه من بئر
نفط ظالم للقسوة عليهم وإهانتهم وترويعهم.
ويتم إسقاط حقوقهم ومصادرة وجودهم في مأساة لم
يحصل مثلها في التأريخ المعاصر , وكأن العراقي
لا ينتمي إلى المجتمع البشري ولا تنطبق عليه
لائحة حقوق الإنسان.العراقي الذي أصبح ضحية
للنفط المشتعل في الكرسي , والكراسي المتصارعة
والمتأسدة حول آبار النفط المسروطة بسرعة تفوق
سرعة الضوء , فيزداد السراطون ثراء وفحشا
ويعاني ابن الشعب قحطا وقهرا , ويعز عليه أن
يحصل على لتر من البنزين أو النفط أو قنينة
غاز للتدفئة في بلده المسجى بالنفط. فبيوته
تتهاوى وتتهدم من شدة الانفجارات المتواصلة في
مدنه والتي أثقلت أهله بكاهل إعادة الترميم
والبناء مع شحة وغلاء مواده. وإذا مرض فأنه
ينظر إلى قبره لعدم توفر أسباب العلاج
والأدوية الضرورية لشفائه.أجل إن العراق وعلى
مدى القرن العشرين قد سقط فريسة في بطون آبار
النفط , وتحول إلى وجود مأساوي بسبب النفط
اللعين الذي لم يجلب للعراقي إلا العذاب , ولم
يسمح له بتأسيس نظام حكم رشيد, لأنه لا ينسجم
وسياسة أخذ النفط والاستحواذ عليه. فكل
استقرار لا ينفع الطامعين بالنفط , وكل تقدم
ورفاه لا يفيدهم , وأي ثقافة ووعي وتبصر قوة
ضد النفط. فلا بد أن يبقى النفط في حِلٍ من
أهله المشغولين ببعضهم وبكراسي الحكم المضطرمة
, والتي تحرق كل مَن يجلس عليها وتمنحه سوء
المصير. ويمضي النفط إلى العالم الذي يعرف كيف
يوظفه لمصالحه وقوته وإحكام قبضته على عنق
الأرض, ويبقى ابن العراق في أشد حالات العناء
والعوز والهوان. ولا يمكن لأحد أن يقول شيئا
آخر لأن ذلك أصبح من المحرمات والممنوعات ,
ومن التهم التي يعاقب عليها القانون. فالدنيا
هذه الأيام تنظر في شأن العراقي وتريد أن تقرر
هل أنه من بني الإنسان أم لا, وإلا لماذا لا
تصرخ بأعلى صوتها وقوتها وتعلن أنه في أشد
حالات المأساة؟!وأن الويلات قد تفاقمت لدرجة
الكارثة المروعة , وعلى الدنيا كلها أن تستيقظ
من غفلتها وتنقذ شعبا ووطنا , وأن تعالج
شراهتها النفطية وإدمانها الخطير على النفط
الذي أعمى بصيرتها وحولها إلى وحش لا يرى إلا
بئر النفط , ولا يكترث بالآلاف من المعذبين
المشردين المتناثرين جثثا على أرصفة
الطرقات...! فهل ستتواصل المأساة العراقية حتى
نفاد النفط؟! |