مقتربات السبيل إلى مصالحة عراقية 

د. أكرم عبد الرزاق

اللافت للنظر أن الحكومة حشدت تغطية اعلامية ضخمة للمؤتمر، الذي لم يحضره سوى ممثلين عن القوي المشاركة في الحكم الحالي (المجلس الأعلي وحزب الدعوة بجناحيه، والحزبين الكرديين، وبعض الشخصيات المحسوبة على "مجالس الصحوة")، وقد انفض المؤتمر بدون تحقيق أية نتائج ايجابية تذكر. فقد جدد السيد رئيس الوزراء رفض حكومته اجراء أي حوار مع عناصر حزب البعث قائلا "لا يمكن لحزب البعث الدخول في العملية السياسية". واضاف ان "الحوار مع حزب البعث مهما كان اسمه والشخص الذي يرأسه يعد مخالفة دستورية، ثم كيف نتحاور مع اناس يستخدمون العنف والقتل ويؤمنون بالانقلابات والارهاب والحزب الواحد ويحملون عقولا مريضة وافكارهم تجاوزها الزمن". وقد لاقت هذه الكلمات استغرابا، وبخاصة من أطراف عراقية متعددة الاتجاهات والأنتماءات ترى أن المنتمين لحزب البعث هم (عراقيون) ويعدون بمئات الآلاف في المجتمع العراقي، فهل من الحكمة تجاهل شريحة كبيرة من المجتمع العراقي؟ ولماذا نصر على ارتكاب اخطاء الماضي حين صدر قرار بتجريم من ينتمي لحزب الدعوة مثلا... فما الفرق بين الموقفين؟ وما الذي تغير في العراق؟

أحد السياسيين انتقد المؤتمر قائلا إنه "مؤتمر للحاكمين، وهم متآلفون لا يحتاجون لمصالحة..". رئيس كتلة التيار الصدري في البرلمان نصار الربيعي قال:"ان كل مؤتمرات المصالحة الحكومية ما هي الا دعاية حكومية فقط ولا تعالج المشكلة الاساسية في العراق". وعلق عراقيون آخرون علي كلمة المالكي فأشاروا الي أنه حاول ترضية مختلف الأطراف المؤثرة في العملية السياسية وما حولها، فحاول ترضية الأمريكيين بعقد مؤتمر عراقي خاص في ذكري الغزو وبحضور نائب رئيس الدولة المحتلة ديك تشيني الذي لقي حفاوة بالغة من قبل حكومة المالكي في زيارة اعتبرها العراقيون تشكل تحديا لمشاعرهم في رفض الغزو الأمريكي، وأشار آخرون: "ان المالكي قال كل شيء... لكنه لم يقنع أحدا". جبهة التوافق رفضت ترؤس الحكومة للمؤتمر لأنها تريد أن يكون برعاية عربية ممثلة في جامعة عمرو موسي واستمرارا للجهود التي بذلها نائبه بن حلي خلال زيارته الأخيرة الي بغداد. يذكر أن مؤتمرين للمصالحة تبنتها الجامعة العربية، انفضت دون أي نجاح بسبب تعنت الأحزاب الحاكمة، كما بذلت محاولات لعقد لقاءات مصالحة في عدد من العواصم العربية والأوربية، لكنها جميعا لم تصل الي نتيجة وسط اصرار الأحزاب الحاكمة علي رفض اشراك القوى المناوئة للاحتلال كفصائل المقاومة بمختلف توجهاتها وهيئة العلماء والقوى الوطنية والاسلامية الأخرى وبالأخص البعثيين. الحقيقة الغائبة عن المسؤولين هي أن أية مصالحة عراقية وطنية حقيقية وجادة لا بد أن تبدأ من نقطة الاعتراف بحقائق الواقع العراقي وبشرائحه الاجتماعية والسياسية المرتكزة على الوحدة الوطنية ورفض نتائج الاحتلال، وبوجود اختلال ناتج عن تغييب متعمد لقوى فاعلة في المجتمع العراقي، وليس على التكريس المتجدد لأسس المحاصصة الطائفية والعرقية التي أغرقت البلاد في بحر من الدماء والفوضى والعنف على مدي خمسة أعوام، ومازال المستقبل مجهولا بل يحمل نذر الأخطر والأقسى والأعنف، وتلك هي الكارثة!. وبعد 5 سنوات من فوضى الأخطاء، ربما نعطي الأغراب بعض العذر في عدم فهمهم لدوافع حركة السياسة الاجتماعية والثقافية العراقية أو قد يفهمون وجهاً واحداً منها، لكن لا عذر لمن يضع نفسه في موقع الصانع والمسؤول عن مستقبل هذا البلد. ثم يكرس الانقسام والتفتيت والاحتراب. ولكي تكون مبادرة المصالحة السياسية حقيقية وجادة لا بدّ أن تأتي كجزء من مشروع سياسي شامل ومعلن على الشعب العراقي، وقد أثبتت القوى المستأثرة بالسلطة فشلها في تسيير دفة المصالحة الحقيقية لعدم توفر النوايا الحقيقية والصادقة.ان مصالحة وطنية عراقية صحيحة يجب أن تقوم علي أساس ومبدأ رفض الاحتلال، ووجوب تحرير العراق من المحتلين من كل الأصناف، ولابد من برنامج سياسي توافقي هدفه اخراج المحتل، واقامة نظام حكم غير طائفي مبني على المواطنة والشراكة وليس على المحاصصة المقيتة، نظام يقوم على التساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز في العرق او الدين او المذهب، وقيام جيش وطني ومؤسسات أمنية علي قاعدة الولاء الأوحد للوطن فحسب، ومنع كل المليشيات والممارسات الطائفية المؤذية.انّ العراقيين يأملون من الدول العربية الفاعلة ومن الجامعة العربية ومؤتمر القمة العربي، وبضغط من الأمم المتحدة لبدء عملية مصالحة وطنية بغطاء دولي يفرض الألزام على الجميع، عبر قناعة جادة وعبر حوار مع القوى والشخصيات العراقية الحقيقية المعروفة دون تهميش أو اقصاء، أما البيانات والمؤتمرات التلفزيونية ذات الأهداف الأمنية التكتيكية، ومحاولات التضليل الدعائي وتشويه معنى المصالحة الحقيقي، فإن أوراقها محروقة، ونتائجها معلومة سلفا.

 

 
الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقع تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels