|
فدرالية المحافظات .. الحل المنسي من احزاب
وقادة العراق ؟!
سليم مطر / جنيف
هنالك سر عجيب يجعل جميع الاطراف العراقية
،حكومية ومعارضة تصر على تجاهل واحد من اهم
موضوعات المعضلة العراقية، الا وهو “ مشروع
فيدرالية المحافظات” ان هذا المشروع الذي كان
متداولا حتى قبل عامين نراه بقدرة قادر قد غيب
عن ساحة الحوار العراقي رغم بقاء المعضلة
الوطنية عالقة وحارقة.
“ معضلة ماهية النظام المطلوب للعراق ..
فدرالي ام مركزي “؟
السيدان الطالباني والبرزاني ومعهما السيد
الحكيم يصرون على “ فدرالية قومية- طائفية” اي
دولة هشة منقسمة الى اقاليم كردية وسنية
وشعية!
سنوات الكارثة الاخيرة جعلت غالبية العراقيين
واحزابهم بما فيها غالبية احزاب الحكومة ، تعي
وتقتنع بفشل مثل هذا المشروع الفدرالي لانه
يقسم العراقيين على اساس قومياتهم وطوائفهم
ويبقى الدولة ضعيفة والشعب منقسما والوطن عرضة
للتجزئة.
لكن المشكلة التي تدعو الى الاستغراب والعجب
ان هذه الاغلبية المعارضة للمشروع الفدرالي
القومي الطائفي، لم تطرح اي مشروع مقابل ،
وتغض الطرف تماما عن المشروع المعقول العملي
والبديل والمناسب تماما للوضع العراقي، الا
وهو “ مشروع فدرالية المحافظات”!
الفدرالية الانسانية
ان “ نظام فدرالية المحافظات” هو افضل الحلول
الديمقراطية والانسانية ، وهذا النظام هو
المعمول به في جميع الانظمة الفدرالية ومنها
الامريكية والسويسرية والالمانية . فليس هنالك
مثلا في امريكا اقليم من عدة ولايات خاص
بالسود، او اقليم خاص بالناطقين
بالاسبانية..الخ. كذلك نفس الامر في المانيا
وسويسرا . صحيح ان هذا النظام بالنسبة لتطيبقه
في العراق قد يواجه بعض الصعوبات بسبب وجود
بعض الامر الواقع، خصوصا بالنسبة للمنطقة
الكردية، واصرار الاحزاب القومية على التعامل
معها كـ “اقيم كردستان” خاص ومتميز، لكن خبراء
الحالة الكردية يتفقون على ان نظام الاقليم
الواحد غير مطبق عمليا فهناك “ مركز محافظة
اربيل” الذي يتمتع به حزب السيد البرزاني
بالهيمنة المطلقة ، ثم “ مركز محافظة
السليمانية” الذي يتمتع به حزب السيد
الطالباني بالهيمنة المطلقة وهنالك منافسة
وتمايز معروف بين الادارتين، رغم كل الواجهات
التوحيدية.
ثم ان نظام “ فدرالية المحافظات” ليس بالضرورة
ضد وجود “ الاقليم الكردي” فهو لايمنع من وجود
اتفاقات خاصة بين المحافظات المتقاربة
والتنسيق فيما بينها في مختلف المجالات. ان
تجارب البلدان الفدرالية المعروفة ، مثل
المانيا وسويسرا وامريكا، تبين لنا ان نظام “
فدرالية المحافظات” يعني :
- ان تجري الانتخابات ليس على اساس القوائم
الممثلة للاقاليم والتحالفات القومية
والطائفية بل على اساس كل محافظة “ قد تسمى
مقاطعة او ولاية” بما تحتويه من مناطق
انتخابية مختلفة . وحسب عدد سكان كل محافظة
يتم انتخاب ممثلين الى البرلمان الوطني “ مجلس
الامن” يعني ان يكون نواب “مجلس الامة” ليسوا
ممثلين لطوائفهم وقومياتهم ، بل ممثلين
لمحافظاتهم.
- اما بالنسبة لتكوين الحكومة ، فالامر يختلف
تقريبا . حيث يتم اختيار اعضاء الحكومة من
جميع المحافظات الثماني عشرة ، بحيث تكون كل
واحدة منها لديها على الاقل وزير واحد في
الحكومة . ونعتقد ان التقسيم الامثل هو : وزير
واحد لكل محافظة سكانها اقل من مليون .
ووزيران لكل محافظة تتجاوز المليون. اما بغداد
فثلاثة وزراء . وفي حالة وجود عدد فائض من
الوزراء يكون بعضهم وزيرا بلا وزارة ويتم
تداول رئاسة الحكومة والوزارات المهمة على
جميع المحافظات بصورة تناوبية عقلانية.
الحل المناسب
جميع من فهم مضمون “ مشروع فدرالية المحافظات”
يعتبره حلا مناسبا وحاسما لعدة اشكاليات خطيرة
ومعقدة تعاني منها الدولة العراقية:
اولا : انه يحل مشكلة “ نظام المحاصصة
الطائفية والعرقية” المتبع حاليا في تكوين
الدولة. فغالبية العراقيين يتفقون الان على
خطأ نظام المحاصصة لانه يلغي القيمة الوطنية
والانسانية عن المواطن ، ويحوله الى قيمة
عرقية وطائفية انعزالية . لقد اثبتت السنوات
الفائتة ان نظام المحاصصة الطائفية والعرقية
لايحقق ابدا التوازن والمساواة بين الفئات
المختلفة بل هو في الحقيقة يضيف اشكالية جديدة
تتمثل بانعدام التوازن بين مناطق الوطن. فباسم
التمثيل القومي والطائفي يتم اختيار معظم
ممثلي القومية والطائفة من المحافظات الفلانية
والفلانية على حساب ابناء باقي المحافظات!
ثانيا : ان “ فدرالية المحافظات” تعزز مشاعر
الانتماء الى الارض ومكان العيش والاقامة لدى
المواطن ، قبل القومية والطائفة والعشيرة
والحزب وغيرها. انه يجعل مبدا الانتماء الى
المحافظة هو المعيار الوحيد لتقاسم سلطات
الدولة والاحزاب وجميع المؤسسات السياسية. قد
يحدث مثلا ان يمثل محافظة الرمادي او الموصل
شخصيا كرديا او سريانيا او فيليا شيعيا ،
مقيما في المحافظة منذ اجيال او سنوات طويلة
ويحوز على رضا غالبية السكان. وكذلك ضمن هذا
السياق قد يمثل محافظة النجف او الحلة شخص سني
او صابئي مقيم فيها وهو جزء من اهلها.. وهكذا
دواليك في جميع المحافظات العراقية ، حتى تكون
المحصلة العامة ان الانتماء الى الارض الصغيرة
“ المحافظة” هو المعيار للانتماء للارض
الكبيرة “ الوطن العراقي”.ثالثا: انه يحل
واحدة من اعقد المشاكل العراقية الا وهي مشكلة
كركوك فبدلا من ان يتم الجدال حول “ضمها”! الى
الاقليم الفلاني او العلاني وعن هويتها
القومية ..الخ. تكون كركوك محافظة تتمتع بحقوق
فدرالية حالها حال جميع محافظات العراق،
يديرها اهلها وهي لاتنتمي الى اي اقليم او
قومية او امبراطورية ، بل هي تنتمي اولا وقبل
كل شيء الى ذاتها واهلها وتاريخها ثم طبعا الى
الوطن العراقي.ان مشروع “ فدرالية المحافظات”
لايمكن ان يكون متكاملا بصورة تامة هو بحاجة
دائمة الى نقاش ودراسة من اجل تطويعه بما
يناسب وضع بلادنا . لكنه يبقى الامثل لتجنب
الانشقاقات الطائفية والعرقية السائدة.اننا
ندعو الكتاب والسياسيين وجميع المعنيين بسلامة
وطننا الى اعادة احياء مشروع فدرالية
المحافظات وطرحه للحوار في الساحة العراقية
ليكون حلا معقولا وواقعيا لمستقبل دولتنا
المريضة ووطننا الجريح. |