إياد علاوي: يجب تعديل مسار العملية السياسية في العراق

أكد الدكتور اياد علاوي رئيس وزراء العراق الأسبق أن المجتمع العراقي يرفض المحاصصة الطائفية السياسية، وأن الأغلبية الصامتة في العراق تؤمن بعراق واحد.

وقال علاوي في حوار صحفي في مقر إقامته في أبوظبي، في خلال زيارة قصيرة أنهاها أمس، إن المصالحة الوطنية سلسلة من الإجراءات، من بينها إجراءات تتعلق بإعادة الكرامة إلى دوائر الدولة ومؤسساتها المنحلة. ونفى علاوي بشدة أن يكون الوضع الحالي في العراق وضعاً ديمقراطياً “فالديمقراطية ليست انتخابات” فقط. وتذكر علاوي في الحوار مواقف الإمارات، خصوصاً بادرة الشيخ زايد تجاه العراق قبل الحرب، لافتاً إلى “أننا ما كنا وصلنا إلى كل هذه المأساة لو استجاب النظام السابق”. وقال ان ما يحصل في الشمال يشير بوضوح إلى ضعف الحكومة العراقية، وإلى ضعف الوضع السياسي في العراق، واتهم الحكومة الحالية بأنها أسهمت في إبعاد العراق عن محيطه العربي. وقال ان العلاقة مع إيران ينبغي أن تقوم على احترام مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، وان أية محادثات معها ينبغي أن تتأسس على حزمة الإشكالات العربية معها، وليس كل بلد على حدة. وقال ان المشهد العراقي يتسم باختلال كبير في ثوابت العملية السياسية، كما يتسم باستمرار اعتماد مبادئ المحاصصة الطائفية السياسية، والابتعاد عن العمل الوطني الحقيقي وبناء مؤسسات الدولة. ضمن هذا المشهد، وهذه الإطارات الواضحة، تسير البلاد في اتجاهات مؤذية.  واضاف ربما يظن أن هناك نوعاً من التحسن في الوضع الأمني، لكن هذا التحسن هو أولاً نسبي، وثانياً مؤقت، وفي الحقيقة لا يوجد تحسن. لا تزال التعديات و”القتولات” والتصفيات قائمة مما لا يعلن عنه لهذا فإن المشهد ما زال مشهداً محزناً، ونأمل أن تحوله جهود كل الطيبين والخيرين في العراق ليكون مشهداً أكثر إشراقاً. واوضح ان الطائفية موجوده على مستوى النخب وليس المجتمع فالمجتمع العراقي بعمومه يرفض مسألة المحاصصة الطائفية، أما أسباب الوصول إليها فكثيرة ومتعددة ابتدأ من الوقت السابق وما حصل الآن، خصوصاً بعد الحرب وسقوط النظام السابق تم اعتماد الطائفية السياسية كمعيار ومنهاج للحكم، منذ تأسيس مجلس الحكم، وحتى قبل تأسيس مجلس الحكم. *لكنك أنت، دكتور، دخلت في اللعبة السياسية، جزئياً على الأقل، وفق المعيار الطائفي. كل الثقة في خبرتك وعلمك ومهاراتك القيادية، لكنك جئت إلى رئاسة الوزراء لأنك من طائفة معينة.

-        لا، لا بالعكس، أنا انتخبت من قبل مجلس الحكم بالإجماع، ومن المعروف أن حركتنا، الحركة التي كنت وما أزال أشارك فيها لم تكن حركة طائفية، ولم تكن حركة ممثلة لزاوية معينة من الزوايا الطائفية في العراق، وإنما تعكس الوضع العراقي بأكمله. لهذا عندما جئت وانتخبت لرئاسة الوزارة، عملت باجتهاد ضد الطائفية، أعدت الكثيرين من منتسبي الجيش إلى القوات المسلحة، وكذلك الشرطة. جمدت نظام اجتثاث البعث إلى حد كبير، وعملت على أن يكون نظاماً قضائياً وليس سياسياً. صحيح انني كنت في العملية السياسية، لكني حاولت إصلاحها، وما زلت أحاول.

* هل يعمل الحكم الحالي في رأيك ضد هذا؟

- ضد ماذا؟

 هذا التوجه ككل، وماذا عن المجتمع أيضاً؟

- المجتمع ضد المحاصصة، المجتمع يرفض المحاصصة، والأغلبية الصامتة في العراق تؤمن بعراق واحد لا شيعي ولا سني ولا مسيحي ولا كردي، عراق لكل العراقيين بغض النظر عن الدين أو العرق. هذا هو الشعور العام في العراق. الحكومة الحالية بالتأكيد عندها الإمكانية لتطبيق النهج الذي يبتعد عن المحاصصة الطائفية، لكنها لا تقوم بهذا العمل أو هذا الواجب إلى الآن. مسألة المصالحة الوطنية أصبحت شعاراً أكثر مما هي شيء عملي.

                                           سلسلة

 

* كيف تطبق المصالحة الوطنية من وجهة نظرك؟

- المصالحة سلسلة من الإجراءات وليست مؤتمرات، الإجراءات متعددة ومنها على سبيل المثال لا الحصر، إجراءات تتعلق بإعادة الكرامة إلى دوائر الدولة ومؤسساتها المنحلة.. القوات المسلحة السابقة والشرطة. والقصد إعادة الواجبات والمخصصات، وإعادة من يصلح منهم إلى الخدمة، وإعادة بعضهم إلى القطاعات المدنية في الحكومة. الإجراء الثاني تحويل موضوع اجتثاث البعث من موضوع سياسي إلى موضوع قانوني وقضائي، وأن يكون القضاء هو الفيصل بين المسيئين ومرتكبي الجرائم وغيرهم من الأبرياء.

 يفهم من هذا أنك لا تجرم البعثيين مطلقاً، وان الانتماء إلى البعث في حد ذاته ليس تهمة.

- هذا هو، هذا هو المعيار الأساسي. المسألة الثالثة تبني موقف واضح لمسألة المحاصصة الطائفية السياسية. هل نريد اعتماد هذا أم نريد اعتماد المعايير الوطنية الخالصة.

                                

 

*هل يتوجه لتحقيق هذه المعرفة إلى طرح استفتاء مثلاً، أم ترى الموضوع دخيلاً أساساً؟

- المحاصصة دخلت إلينا بشكل رسمي بعد الحرب.

 أي بعد الاحتلال.

- بعد الحرب وسقوط النظام دخلت المحاصصة لنا بشكل رسمي، واعتمدت من قبل الأطراف بالرغم من أننا نحن رفضنا هذا المبدأ، واقترحنا رده، وقلنا ان المشروع الوطني العراقي هو المشروع الوحيد القادر على استيعاب العراق والعراقيين بالكامل، وقد بدأت من القوى التي آمنت في البداية بالمشروع الطائفي السياسي تصرح علناً بأنها مع المشروع الوطني السياسي، وأن المشروع الطائفي أضرّ بالعراق، وعلى الدولة الانتقال إلى المشروع الوطني، هذا نعتبره نحن مكسباً كبيراً.

 * تقصد أن هناك تحولاً؟

- نعم، تحول كبير تجاه ما تبنيناه وعملنا من أجله، وهذا ما يفرحنا ويدعونا إلى الاستمرار في نهجنا واليقين بأنه هو الصحيح.

* تقصد أيضاً أن التجربة على الأرض أدت إلى هذه القناعة؟

- نعم.

*طيب، الاحتلال يجدد لنفسه أو يجدد له، إلى متى في رأيك؟

- والله هو يفترض أن هذه هي السنة الأخيرة. تم إبلاغ مجلس النواب العراقي في بغداد بهذا، وتم إثباته عبر رسائل وجهت إلى مجلس الأمن والسكرتير العام للأمم المتحدة. هذه هي السنة الأخيرة، ونحن ننتظر ما يصير بعد هذه السنة، هل تستمر القوات الأجنبية في التواجد أم لا. هناك مشروع مطروح ولا نعرف أبعاده، ولم يستشرنا أحد فيه، ويتعلق بوجود اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا سمعنا به سماعاً، ولا نعرف إذا ما كان حقيقياً.

* سمعتم من مصادر رسمية؟

- لا والله، سمعنا من الشارع والمجتمع. مصادر رسمية ما سمعنا.. يعني لم نبلغ من خلال مجلس النواب بهذا الأمر، لمناقشته على سبيل المثال، لكن سمعنا أن هذا الشيء موجود.

* كم تعولون على أي تغيير يحدث في الحكم في أمريكا كنتيجة للانتخابات المقبلة بالنسبة إلى تغير السياسة الأمريكية تجاه العراق؟

- إذا عقدت اتفاقيات مثل هذه؟

 إذا عقدت اتفاقيات خصوصاً، وفي كل الأوضاع عموماً.

- والله يعتبر هذا تغيراً في نمط الاتفاق، الآن الاتفاق أممي وفي نطاق مجلس الأمن وقرارات مجلس الأمن، أما الاتفاق الثنائي فهذا موضوع آخر، ويفترض أن يبحث عن صعيد مجلس النواب بالرغم من أن مجلس النواب لا يمثل كل المجتمع العراقي.

 لماذا؟

- الانتخابات التي جرت إنما جرت في ظروف غير اعتيادية أو طبيعية، وتحت وجود قوات أجنبية، وجرت الانتخابات في وجود إرهاب وميليشيات مسلحة، وكذلك وجود تدخلات سافرة في الشأن الانتخابي فأفرزت الانتخابات ما أفرزت، ويجب ألا ننسى أنه استعملت الرموز الدينية في الانتخابات، لذا نقول انه “اكو” قوى كثيرة وواسعة جداً خارج المجلس النيابي ولم تدخل العملية السياسية، وما تزال خارجها.

*إذاً هنالك حاجة إلى قانون انتخابات متقدم؟

- هناك حاجة بالتأكيد، نحن نطالب بصراحة بوجود قانون انتخابات جديد يعتمد في جوهره على القائمة المفتوحة لا على المعايير الطائفية.

* وهذا يتطلب تعديلاً في الدستور؟

- قانون الانتخابات لا علاقة له بالدستور.

*أقصد هل تشمل مطالباتكم تعديلاً جزئياً في الدستور أو تغييراً يلبي المضامين المطروحة؟

- نعم. عندما نتكلم على المحاصصة وتعديل مسار العملية السياسية فنحن نتحدث عن الدستور، وحين نتناول دوائر الدولة المنحلة واجتثاث البعث، فنحن نتحدث بالتلازم الحتمي عن الدستور، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الميليشيات المسلحة وما إلى ذلك. هذه كلها في حاجة إلى إعادة نظر. كثير من القوانين حتى القوانين الإدارية التي وضعها الأمريكي يجب أن نعيد النظر فيها، وكنا “احنا سوينا قوانين” تناقض القوانين الأمريكية التي كانت سائدة، منها، إلى جانب تجميد اجتثاث البعث وإعادة الجيش، إلغاء وتقليص وتجميد الصلاحيات التي أعطيت وقتها بشكل أعمى الى المحافظات من دون أية ضوابط أو تفسير.

* هنالك من يقول إن العراق ليس مؤهلاً الآن لأن يعتمد على نفسه خارج قصة الاحتلال.

- عسكرياً؟

نعم.

- بالتأكيد، للأسف، العراق غير مؤهل وغير مهيأ تجاوزات الجيش والشرطة وإدخال الميليشيات المسلحة جارية على قدم وساق، وهذه سواء كانت من الشرطة أو الجيش، أصبحت تمثل جهات وليس مؤسسات وطنية، وقد خلقت من قبل أجهزة وميليشيات وإرهابيين، وبالتالي لا تستطيع النهوض بالأمن والحفاظ عليه بالتأكيد.

* هنالك أيضاً من يقول (سأضطر لاستخدام عبارة “هناك من يقول” لأن ما أطرح من أسئلة لا يمثل رأيي ولا رأينا بالضرورة، فنحن نسأل بشكل حيادي).. يقال ان الاستبداد متمثلاً في النظام السابق المستبد يقابله استبداد من نوع ما الآن.

-        بالتأكيد “احنا نسمع عن ديمقراطية أنا ما اعتقد أكو ديمقراطية، نسمع عن سيادة قانون بالتأكيد ما اكو سيادة قانون”. وسوف أورد مثالاً بسيطاً، أنا رئيس وزراء سابق، ومن الشخصيات المهمة في المعارضة العراقية. والآن رئيس كتلة وعضو مجلس نواب، وقد قيل عني أخيراً من طرف ناطق رسمي للحكومة إنني ساعدت “جند الاسلام” في النجف، ثم تم ذلك من دون أي إجراء قانوني أو اي استناد الى قانون. هذا دليل على ان الأمور لا تسير بشكل منتظم، ما يزال هناك الكثير من المعتقلين والاعتقالات. هناك صدامات مسلحة، ولا توجد توضيحات عن أسباب اصطدام القوات المسلحة بهذه القوى. ظهرت، مثالاً، ما سميت بالمهدية أو المهدوية كحركة جديدة.

*نسبة إلى المهدي؟

- نعم وقد قمعت بشدة. يقال إنها حركة فكرية، طيب، الوضع الديمقراطي كما هو معلوم يسمح للحركات الفكرية أن تطرح نفسها. هذا ما نعرفه عن الديمقراطيات الغربية، لكن ما نراه هو أن هذه الحركات الفكرية تحارب باسم الديمقراطية.

                                            نعم لا

 

* كأنك تريد أن تقول، مباشرة، وبصوت عال إنه لا ديمقراطية في العراق الآن.

- أنا لا أعرف الديمقراطية بأنها انتخابات فقط، الانتخابات هي مرحلة من مراحل الديمقراطية، ولربما كانت مرحلة متقدمة. الديمقراطية لا تنفصل عن الحقوق الأساسية للمواطن.

 *والتنمية، والتنمية السياسية؟

- التنمية بمفهومها الشامل. نعم تنمية المجتمع المدني وتوازن العملية السياسية، وأن تكون العملية السياسية مفتوحة لكل العراقيين، وأن تكون الديمقراطية مبنية على سيادة القانون، وعلى الحقوق الأساسية للمواطن. نحن لا يوجد لدينا سيادة قانون والدليل واضح (جبت لك مثال)، وهناك أمثلة كثيرة. هناك قوى كبيرة وكثيرة وواسعة، ومنها مليونية، هاجرت من العراق أو هجرت وأجبرت على مغادرة العراق، وتعيش الآن في بلدان الشتات، في سوريا واليمن والإمارات ومصر والأردن، وفي غيرها وغيرها. من غير المعقول إذا تقول إن هناك نظاماً ديمقراطياً وفي الوقت نفسه، هناك ملايين من العراقيين ينزحون باستمرار خارج العراق، ومن غير المعقول القول إن هناك نظاماً أو وضعاً ديمقراطياً في العراق وسيادة القانون مفقودة، والعدالة مفقودة. الحكومة تتهم من تشاء بأية تهمة كانت، مثلاً تهمة الإرهاب مرة، وتارة أخرى بتهمة الانتماء إلى البعض، وتارة ثالثة بتهمة عدم النزاهة، أشكال وأنواع التهم جاهزة، هذه ليست ديمقراطية، وهذه ليست سيادة قانون، لهذا يجب القول إنه، ومن خلال تجربتي إلى الآن، بأننا نحن لا نعيش الوضع الديمقراطي المرجو، وأنا طبعاً كلمت مسؤولين أمريكيين بهذا الأمر.

* متى؟

- منذ أشهر قليلة، قلت لهم نحن وأنتم قاتلنا لأن نحقق نظاماً ديمقراطياً وعدالة وسيادة قانون في العراق، والآن الولايات المتحدة الأمريكية سمحت باللجوء السياسي للعراقيين، طبعاً هذا يدل على خلل في العراق. عندما تسمح الولايات المتحدة بقبول لاجئين سياسيين عراقيين “اكو خلل”، “وإلا أنت سامع واحد في بلد ديمقراطي، وفي وضع يسود فيه القانون والعدالة والنزاهة يطلب لجوء سياسي”.

 ولا الدولة المستهدفة تقبل إلا بمبررات.

- وفي بلد كالعراق فيه إمكانات بشرية ومادية هائلة لو توفر القانون والديمقراطية لما هاجر أحد أو طلب اللجوء، لذلك فالكلام عن الديمقراطية والقانون محض خيال لا أكثر ولا أقل، لكن نأمل أن نصل إلى هذا بجهود وتضحيات الشعب العراقي.

                                    العراق العربي

 

 *العراق في محيطه العربي والإقليمي، وموضوع ما يجري في الشمال.. ماذا تقول؟

- والله للأسف هناك ابتعاد في العراق عن محيطه العربي.. هناك ابتعاد....

 

 

 

* بفعل فاعل؟

- نعم... ابتعاد مبرمج، وهناك محاولة لطمس العلاقات العراقية العربية بشكل واضح، الاعتداءات التي حدثت ضد السفارات العربية، والاختطافات التي استهدفت سفراء عرباً وموظفين في السفارات، لم تستهدف سواهم. يضاف إلى هذا الاتهامات المستمرة التي توجه وتحاك ضد العرب، والتي بين الحين والآخر تطفو على السطح. هذه كلها مبنية على وهم وليس على حقيقة، وهي توجه إلى الدول العربية وسفاراتها، فيقال إن السفارة الفلانية تدعم الإرهابيين، هنالك شيء منظم في ابعاد العرب عن العراق، وإبعاد العراق عن العرب للأسف.

* والشمال؟

- بالنسبة لما يحصل الآن في الشمال وكردستان والمسألة التركية، هذا يشير بوضوح إلى ضعف الحكومة العراقية، وإلى ضعف الوضع السياسي في العراق. لو كانت هناك حكومة قوية ومتوازنة وتدافع عن سيادة العراق لكانت تصدت لما يحصل ووجدت الحلول مع الجارة تركيا خاصة ونحن تربطنا مع تركيا علاقات ممتدة في التاريخ والجغرافيا. علاقات جيدة، لكن في غياب الحكومة، وغياب دور فاعل للحكومة، أخذت الأمور من قبل الأتراك بهذه الطريقة من جهة، والاخوة الأكراد من جهة أخرى. بالتأكيد لتركيا مصلحة مهمة في حماية نفسها من نشاطات معادية ضد أمنها القومي، لكن أيضاً من مصلحة العراق ألا تحصل حلول عسكرية.

* أنت ترى أن يكون الحل سلمياً؟

- نحن دعونا. نحن كقوى سياسية، وقوى شعبية، وقوى في البرلمان، نحن سعينا بغض النظر عن الحكومة، وشخصياً تحدثت مع مسعود البرزاني، تحدثت معه بشكل مستمر طيلة هذه الفترة أي فترة الأزمة، وآخر مكالمة كانت لي معه أمس ليلاً (أجري هذا الحوار مساء الجمعة)، وتحدثت مع الكثير من القادة العرب، وأتحدث باستمرار مع الطرف الآخر، فنحن تربطنا علاقات جيدة مع القادة الاتراك كي نحاول تجنيب الأوضاع أن تتوتر أكثر مما هي عليه الآن، ونصل إلى حل مقبول يرضي تركيا ويرضي العراق. بحيث تعود الأمور إلى مجاريها الطبيعية. الحقيقة أن هذا الوضع يعكس ضعف الأداء العراقي، وضعف الأداء الحكومي مجملاً، وضعف التصورات يعكس فوضى الوضع العام في العراق حالياً.

 

                                       تجربة فريدة

*العلاقة مع دول الجوار والخليج، ومع الإمارات خصوصاً.

- والله أنا شخصياً علاقاتي مع الاشقاء العرب معروفة تاريخياً، ونحن نعتبر العراق جزءاً من هذه المنطقة، والإمارات، حقيقة، تربطني بها علاقات عاطفية شخصية، وعلاقات سياسية لأنها تجربة رائدة في العمل العربي القومي، والشيخ زايد رحمه الله له تجربة فريدة كان يجب أن تكون في منطقتنا القدوة. سوف أذكر لك موقفاً غريباً حول تجربتي ودور دولة الإمارات العربية المتحدة في دعم العراق، بل سأذكر موقفين: الأول يتصل بمبادرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في مسألة استقالة صدام وتجنيب المنطقة الكوارث والحرب. كانت رؤية تنم عن أخلاق عالية وشعور عالٍ بالمسؤولية، ورؤية واضحة ثاقبة للمستقبل، ولو حصل هذا الشيء، واستجاب صدام للشيخ زايد ومبادرته لما كنا وصلنا إلى كل هذه المأساة، هذا مثال على دور الإمارات. المثال الثاني عندما كنت في الحكم، وكانت لدينا أزمة مع الميليشيا المسلحة، لم يكن هناك جيش بالمعنى المتفق عليه، أعدنا الكثيرين فيما بعد إلى الجيش وقد سرحوا للأسف لاحقاً، في تلك الأوضاع اعطتنا الإمارات السلاح مجاناً، سلاحاً حديثاً إلى حد تفاجأ معه الوفد العسكري الذي أرسلناه إلى أبوظبي. فتحت مخازن السلاح بالكامل للعسكريين، فاتصلوا بي: “احنا معلوماتنا ما عندنا أموال نصرف عليها، قلت لهم يابا هذا شعب الإمارات” انطلاقاً من خلقه الرفيع، ومن التزامه والتزام حكومة الإمارات بدعم العراق. هذه مواقف تاريخية، هذا ما عملته الإمارات لا لأنها مع الرئيس الفلاني، أو الزعيم الفلاني، إنما وقفت هذا الموقف لأنها مع الشعب العراقي، ومع استقرار المنطقة. مثل هذا الدور يجب أن يقابل بالحرص نفسه، الحرص والاحتضان، لكن للأسف نشاهد ابتعاداً وابتعاداً وابتعاداً، وإصراراً على الابتعاد عن الأجواء العربية، وهذا يضعف العراق إضعافاً كبيراً ويضعف المنطقة.

                                   “ما نعرف شو يصير”

 *اصراراً على الابتعاد، دكتور، الى حد امكان التطبيع مع “إسرائيل”؟

- “والله احنا ما نعرف إذا استمرت الحالة على ما هي عليه شو يصير”.. العراق سيصبح كماً مهملاً وغير قادر، وكياناً يقتتل بين بعضه بعضاً، وهذا الاقتتال بالتأكيد سينتقل الى الجوار لا سمح الله. فهو سياسياً وعملياً لن يبقى داخل اطار العراق. كيف نتحدث عن عراق ممزق، والدور الذي يمكن ان يلعبه عراق ممزق؟ عندما يتمزق، لا سمح الله العراق، يكون مع “إسرائيل” ومع إيران، ومع فلان وفلان. نحن نقول ان قوة العراق من قوة المنطقة، والعكس صحيح، فقوة المنطقة من قوة العراق. قوتنا من قوتكم ولقوتكم ولاستقرار المنطقة كلها، والعراق من أهم الدول. العراق هو البلد الوحيد الذي تربطه حدود كبيرة بدولتين مسلمتين غير عربيتين هما إيران وتركيا، فموقعه فريد، من حيث هو جسر بين الدول الإسلامية والعربية.

*أنت تبحث عن علاقة مختلفة مع إيران؟

- نعم. أنا ابحث، والتقيت بالسفير الإيراني في بغداد قبل يومين، كانوا يريدون ان التقي بالرئيس الإيراني لدى زيارته العراق هذا الاسبوع، لكني سافرت وتركت العراق، وقلت لهم، باسم القائمة العراقية، وكان مع السفير مرافقون ومسؤولون قادمون من طهران، إننا على استعداد لاحياء العلاقات مع إيران، علاقات الجيرة الطيبة، والعلاقات الاقتصادية المتينة، لكن العلاقات التي لا تقوم على التدخل في شؤون الآخرين، نحن أيضاً، اضفت على استعداد لمناقشة كل الاوضاع بين العراق وإيران، لكننا في الوقت نفسه، لا نناقش فقط الوضع العراقي، نناقش الأوضاع العربية المتصلة بتوترات مع إيران بأكملها، وذكرت تحديدا لبنان وفلسطين والإمارات والبحرين. هذه كحزمة واحدة والعراق طبعاً، والأمل أن نصل الى حلول، لأنه حسب ما عبرت للسفير الإيراني لو رضينا ببعض الأمور بيننا وبينكم واستمرت بؤر التوتر الأخرى في المنطقة، فبالتأكيد سوف تنعكس سلبياً. قلت نحن مستعدون للقاء الرئيس الايراني أو غيره من المسؤولين الايرانيين، لكن وفق رؤية تقوم على بناء مصالح متبادلة، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ونناقش حزمة الاشكالات في المنطقة وليس العراق وحده. نحن نعرف ان هناك مشكلة مع الامارات، ومع البحرين ولبنان وفلسطين، فيجب ان نبحث هذه المشكلات، “ولا نضمها تحت الطاولة” حتى تبقى ملتهبة، فتكون كالجمر تحت الرماد. علينا ان ننهيها كلها، وننتقل الى العيش بسلام. لا ننسى أنه تربطنا بإيران علاقات التاريخ والجغرافيا. نحترم هذه المسألة، لكن علينا ان نحترم ثانية وثالثة، مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، واللجوء الى الحوار لحل المشكلات عوضاً عن اللجوء الى القوة.

                                    أولوياتي لو عدت

 *دكتور علاوي، كرجل سياسي مخضرم، سواء كنت في الحكومة أو لم تكن، ما هي أولوياتك؟

- أولوياتي هي تعديل مسار العملية السياسية في العراق. أولوياتي هي المصالحة الوطنية. أولوياتي الابتعاد عن المحاصصة الطائفية السياسية. أولوياتي بناء الأجهزة الوطنية العراقية القادرة على مواجهة التحديات الأمنية كالجيش والشرطة، ومنع التدخلات الإقليمية والخارجية في الشأن العراقي. هذه هي أولوياتي، وهذا ما أسعى في اتجاهه الآن، كما سعيت له يوم كنت في الوزارة. وأساساً، قبل أن أكون في رئاسة الوزارة.. هذه هي الأولويات، ومن دون أن تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية لن تكون تنمية.

* لو عدت الى الوزارة غداً، ما هي أولوية أولوياتك؟

- بناء مؤسسات الدولة ذات الولاء للوطن، لا ذات الولاء لهذه الجهة أو تلك، وتوفير الأجواء لانبثاق مصالحة وطنية حقيقية في العراق تكون أساس الاستقرار الأمني في البلاد.

                                    كلمتي إلى العرب

*هل تقول شيئاً أحببت قوله، وفات&#