عندما يتفق فرقاء سياسيون على قضية مشتركة فهذا يدل على عدالة موقفهم من هذه القضية وعلى انهم يواجهون مع بعضهم ازمة حقيقية تستوجب الحل، فمنذ بداية تولي المالكي للحكم في العراق والرجل يستميت في التشبث بالكرسي ولا يدخر جهدا في سبيل غايته هذه، والطريق الذي سلكه المالكي لهذه الغاية هو استغلال التناقضات السياسية بين الفرقاء السياسيين واستغلال العلاقات الدولية بين دول الجوار العراقي بعضهم البعض وعلاقاتهم المتباينة مع الجانب الامريكي من جانب اخر، وقد نجح الرجل في نفس الوقت في استمالة قطاعات واسعة من الشارع العراقي بإظهار نفسه بانه الوحيد من بين الساسة العراقيين الذي يصبو لاستقرار الاوضاع بينما يمنعه الباقون عن هذا الهدف (السامي) وقد كسب شعبية لا يستهان بها عند الشعب العراقي ظهرت في الانتخابات الاخيرة بحصوله على اصوات اهلته لان يتسلم زمام رئاسة الوزارة لولاية ثانية. وبما ان الخبرة السياسية عند المالكي لا تؤهله للاستمرار في لعب هذا الدور لفترة طويلة، فقد انكشفت غاياته الحقيقية وخطورة اللعبة التي يلعبها وذلك بتوريط حلفائه قبل خصومه في مشاكل لا طائل منها في سبيل الوصول الى بناء دكتاتورية جديدة في هذا البلد المبتلي بسياسته. وفي نظرة سريعة على مجريات الاحداث الاخيرة نستطيع ان نتلمس التالي:-
بدا المالكي من اكثر المتحمسين للانسحاب الامريكي من العراق وقد اختلف العراقيون في توجه المالكي هذا، ففي حين فسره البعض على انه بسبب ضغوط ايرانية عليه ذهب المطبلون له الى تصوير الرجل بانه يهدف الى انهاء الوجود الامريكي العسكري في العراق لتخليص العراق من مظاهر الاحتلال، ولكن يبدو ان السبب الحقيقي في رغبة المالكي لانسحاب امريكي كامل من العراق كان لكي يخلو له المجال لتصفية منافسيه سياسيا الواحد تلو الاخر سواء حلفاؤه في العملية السياسية او خصومه، فبمجرد الاعلان عن انتهاء الانسحاب الامريكي وعودة المالكي من زيارته لأمريكا بدأ بفتح ملفات ضد رموز القائمة العراقية بدءا بالهاشمي مرورا بالمطلك وليس انتهاء بالعيساوي في الوقت الذي شهدنا هدوء في التعامل مع اسامة النجيفي الذي كان قبل الانسحاب الامريكي من اكثر الشخوص التي كانت دولة القانون تستهدفه في تصريحاتها، محاولين بهذه الخطوة شق صف قائمة العراقية وتشتيت مواقفهم وتجريدهم من اتخاذ أي موقف حاسم حقيقي من التوجه هذا.
استمر المالكي في اثارة المشاكل المستفحلة بينه وبين التحالف الكردستاني فيما يتعلق بالمناطق المستقطعة وملف الشركات النفطية العاملة في الاقليم والوصول الى نقطة اللاعودة في هذه المشاكل المستعصية.
ولم يتوان المالكي في ان يوجه مدافعه الى مكونات التحالف الوطني، حيث بدا وبمساعدة ايرانية بتضعيف المجلس الاعلى والذي تكلل بانشقاق منظمة بدر عن جسد المجلس الاعلى ما ادى الى تداعيات كثيرة لا زال المجلس يعاني منها.
تضعيف الموقف السياسي للتيار الصدري واثارة المشاكل له ضمن العملية السياسية بإدخال عصائب اهل الحق الى العملية السياسية مع كل ما يعانيه التيار من مشاكل مع العصائب وصوره اعلاميا بانه دخول لبعض الفصائل المسلحة التي كانت تقاوم الوجود الامريكي الى العملية السياسية.
لم يكتف المالكي بما سبق بل تمادى في تصرفاته التامرية لتشمل حتى المراجع الدينية في النجف وذلك بإثارة ملف الصرخيين واذكاء المشاكل بين الصرخيين وبين اتباع المراجع الدينية الاخرى وكذلك بإدخال الشهرودي كعامل مهدد لهذه المراجع.
تصعيد الازمات لتصل الى الشارع العراقي وذلك بدفع شخص سياسي مغمور يسمى المحمداوي ليهدد الكرد القاطنين في المدن العربية اما بالهجرة الى كردستان العراق او القتل، وبالرغم ان هذه التهديدات تعتبر قضية يعاقب عليها القانون الدولي وتدخل في باب الارهاب الا ان رد فعل المالكي لم يخرج عن التهديد بان هناك إجراءات قانونية (سوف) تتخذ ضد هذا الشخص وانبرى المالكي هنا لكي يقول بان الحكومة هي من ستحمي الكرد القاطنين في المدن العراقية ولم يلق القبض على هذا الشخص لحد الان. والمثير للانتباه ان المحمداوي هذا قد رد على تصريحات اردوغان الذي انتقد فيها المالكي واصفا اياه بانه يذكي المشاكل الطائفية في العراق فانبرى المحمداوي ليدافع عن المالكي ويصرح بان تصريحات اردوغان هذه مدفوعة الثمن، وهذا يوضح تماما التنسيق الموجود بين المالكي وبين المحمداوي هذا.
هذا فيما يتعلق بإثارة المالكي للازمات العراقية الداخلية، اما فيما يتعلق بإثارة المالكي للازمات مع الخارج العراقي فتتمثل بالعلاقات العراقية غير الجيدة مع محيطه العربي متمثلا بعلاقاته المتوترة مع دول الخليج وفي مقدمتها السعودية وقطر والبحرين خصوصا بعد القمة العربية التي انعقدت في بغداد حيث كانت تمثل فرصة جيدة لتنقية اجواء هذه العلاقة، وكذلك التصعيد الاعلامي ضد تركيا ومحاولة تعكير العلاقات معها للحد الذي اتهم المالكي تركيا بانها تحولت لدولة معادية لا لشيء الا لان اردوغان قد انتقد شخص نوري المالكي وقال انه يذكي الخلافات بين الطوائف العراقية، وتصريح اردوغان هذا لم يخرج عن كونه انتقاداً لشخص المالكي وليس موجها للدولة العراقية كدولة وحكومة باعتبار ان الحكومة العراقية لا تختزل في المالكي وفي رهطه فقط (كما يزعم ذلك المالكي نفسه) وكذلك فالعراق كدولة وشعب لا يمكن اختزاله في شخص المالكي (ان لم تكن له توجهات دكتاتورية طبعا) وليس من المصلحة الوطنية العراقية ان تتعكر العلاقات بينها وبين تركيا بسبب انتقاد رئيس وزراء العراق من قبل اردوغان وان يجر العراق كله بعلاقاته الدولية لمواقف تجاه رئيس الوزراء من هذه الدولة او تلك.
وذهب المالكي الى ابعد من ذلك حينما هدد تركيا بان العراق لديه اوراق ضغط كثيرة على تركيا يمكنه استخدامها، ولا اعرف عن أي اوراق ضغط يتكلم طحلب السياسة العراقي وكيف سيتمكن من الضغط على تركيا، هل سيقطع عنهم منابع الانهار مثلا ام انه سوف يمنع استيراد البضاعة التركية او انه سوف يستخدم حزب العمال الكردستاني لشن هجمات على الحكومة التركية؟. من الواضح انه ليس بإمكان المالكي ان يستعمل أي من هذه الاوراق ضد تركيا ولا توجد بيده أية ورقة اخرى لكي يكون تصريحه ذا مصداقية و حقيقة فان هذا الشخص مثير للضحك والشفقة في نفس الوقت ولا اعرف كيف تحمل العراقيون هذا الفكر السياسي الضيق هذه السنين كلها.