|
الحصة التموينية تكاد لاتسد “رمق الفقراء”
والحكومة تغامر بإلغائها
لم يعد العراقيون قادرين على إخفاء حقيقة عجز
الحكومة الحالية رغم امكانياتا المادية الضخمة
في توفير ما كانت توفره الحكومة السابقة من
مفردات دائمة ومنتظمة في الحصة التموينية
الشهرية، برغم ظروف الحصار والحروب وكل الضغوط
الدولية وحتى في أيام سقوط أربع عشرة محافظة
فإنّ عملية توزيع المواد الغذائية ضمن الحصة
لم تختل وكثيرون من الناس أخذوا حصصهم
المتراكمة إن كانت قد فاتتهم حصة شهر مثلا.
وبدلاً من أن تواجه الحكومة مسؤولياتها في
إعادة تنظيم جهود استيراد المواد الغذائية
اللازمة للحصة التموينية وتحسين نوعيتها
ومفرداتها وضمان إيصالها في أوقاتها الى
المواطنين كافة، فإنها تتراجع كثيراً حتى أن
مواطنين كثيرين من جميع المحافظات يقولون إنهم
لم يستطيعوا الحصول على حصصهم الغذائية منذ
شهور وبعضهم يقول إنه لم يتسلم غير مادتين فقط
"هما مسحوق الغسيل والشاي" وتحدث مسؤول حكومي
حبّذ عدم الكشف عن اسمه بسبب حساسية الموضوع،
قائلاً: بوجود حالات الفساد واسعة النطاق تصعب
إدارة عملية كبرى كتوفير مواد الحصة التموينية
بالطريقة التي كانت تدار بها في العهد السابق،
والسبب خوف الفاسدين والمفسدين انذاك من
العقوبة الشديدة أما الآن "فلا خوف عليهم ولا
هم يحزنون".وأضاف قوله: " تصوّروا أن سواق
شاحنات استيراد المواد الغذائية يختفون هم
وسياراتهم في دول المحيط الإقليمي، ثم نسمع
الأخبار عنهم أنهم باعوا السيارات وبدلوا
أسماءهم وجوازات سفرهم ويعيشون على طريقة
الحواسم في دمشق أو مصر أو عمان أو غيرها من
العواصم العربية أو الأجنبية. ويقول المسؤول
وهو موظف مرموق في وزارة التجارة: الحكومة لا
تخفي رغبتها في التوصل الى مرحلة إلغاء الحصة
التموينية لأنها مسألة تحتاج الى تنظيم
وأساليب عمل على نطاق العراق كله وهي حالة غير
متاحة ولن تتاح حتى بعد سنوات ، لهذا فإن
التوجه هو الى تخفيض مفردات الحصة وحصر
توزيعها بحلول شهر حزيران المقبل بحوالي خمسة
ملايين مواطن فقط. وأوضح إن حكومة النظام
السابق قررت العمل بالحصة التموينية عام1991
أي بعدما فرضت العقوبات الاقتصادية على العراق
والتي شكلت عبئاً ثقيلاً جدا على المواطن
الفقير وليس على الحكومة. وذهب ضحية تلك الحرب
القاسية ضد العراقيين ملايين الضحايا من
الأطفال والشيوخ والمرضى بسبب سوء التغذية
وقلة المستلزمات الصحية والعلاجات وتفشي
الأمراض المستعصية التي أدت تقريباً الى شل
حركة المجتمع في كثير من المجالات لكنّ ما كان
أشبه بالإعجوبة قياساً بما نراه اليوم هو أن
الحصة التموينية الشهرية لم تنقطع عن الناس
وكانت تصل إليهم بانتظام وفي أبعد نقطة جنوباً
وشمالاً وشرقاً وغرباً.وكشفت مصادر عراقية
لمؤسسة "إنتر برس سرفس" إن الحكومة العراقية
الحالية عاجزة عن توفير ربع مفردات الحصة
التموينية على الرغم من تخصيص عدة مليارات من
الدولار للإنفاق على شراء المواد الغذائية
وخزنها وإيصالها الى مستحقيها، لكن الحقيقة
التي تثبت صحتها السجلات وليس غيرها هي أن
حكومة النظام السابق كانت توفر جميع مفردات
الحصة بأقل من مليار دولار على الرغم من ظروف
الحصار. وأوضحت المصادر قولها: إن هذا الكلام
لا علاقة له بالسياسة، إنما هو كلام للمقارنة
ولكشف الحقائق التي صار الناس يتحدثون بها على
نطاق واسع.وكان مسؤول في وزارة التجارة قد قال
إن الدولة رصدت 3.2 مليار دولار لتوفير ربع
مفردات الحصة التموينية السابقة، لكن ارتفاع
أسعار نقل المواد خلال السنوات الأخيرة، جعل
الوزارة تطلب من الحكومة تخصيص 7.2 مليار
دولار لسنة 2007، لكنّ هذا الطلب رفض حتى الآن
ووجه بالاستنكار. وتستعد الوزارة- طبقاً لما
تقوله المصادر- لقطع قائمة المواد المدعومة
الى النصف وحصرها بـ " الطحين والسكر والرز
والحليب ". وهذا التقنين سيؤثر كما تقول
المصادر على أكثر من عشرة ملايين مواطن
يعتمدون كلياً في بقائهم على قيد الحياة على
ما يتسلمونه من الحصة التموينية. وتشير
إحصاءات دقيقة تبنتها مؤسسات دولية الى أن 43
بالمائة من العراقيين يعانون من الفاقة
المطلقة أي أنهم يعيشون تحت مستوى الفقر،
وطبقاً للتخمينات الأولية التي تعتمدها
الولايات المتحدة كدولة تجري إحصاءات دقيقة
وتكلف مؤسسات دولية كبيرة لإجراء المسوحات
والاستبيانات الشهرية بهذا الصدد، فإن نصف
السكان العراقيين تقريباً عاطلون عن العمل على
الرغم من أن هناك ما يقرب من أربعة ملايين
مواطن عراقي يعيشون الآن خارج نطاق بلدهم.
ويقول مسؤولون آخرون في وزارة التجارة إن
خبرتهم تؤكد أن إلغاء الحصة التموينية أو عدم
إيصالها الى المواطنين بشكل منتظم مسألة ليست
في متناول أحد ما دامت الحال الاقتصادية في
البلد متعثرة ومتغيرة ولا ثبات فيها ، لهذا
فإن الحكومة إذا ما اتجهت فعلا الى إلغاء
الحصة أو التلاعب بها أو حتى التهاون في عملية
إتمام مفرداتها وضمان توزيعها الى الناس،
فانها من دون أدنى شك ستواجه مشاكل لا حدود
لها، وربما تؤدي الى إسقاطها |