الخاتمة

لقد انطلق النظام العربي المعاصر من مسلمة تقضي من أن الامن القومي العربي يقع في اطر الدفاع العربي المشترك، وبمعنى آخر اختزال الامن القومي العربي من مفهوم واسع ومعقد يتعلق بالانسان والارض، الى مسألة الدفاع (أو الهجوم)، أي إنه اختزال بالجانب العسكري فقط، وتبعاً لهذا المنظور، فسر ولا يزال بعض القوميين العرب -انظمة وحركات- الجانب العسكري على انه هو نظام الامن القومي العربي.

وحتى فهم هذا الامر الحساس والمختزل الذي جرى على اساس واحد، مقتصراً على الجانب العسكري (متجاوزاً الاسس الاخرى)، لم يتحقق منه شيء على الاطلاق، فالحروب العربية-العربية مستمرة، والمؤامرات العربية-العربية اكثر منها بكثير، من حيث الكم والنوع، اضافة الى الحروب التي خاضها العرب -مجتمعين أو منفردين- مع غير العرب، فضلاً على ذلك فان الاعتبار الوحيد -المرتبط بالجانب العسكري فقط- لموضوع الامن القومي ادى الى توترات واسعة وكبيرة مع دول الجوار في المنطقة -كايران وتركيا مثلاً- وكان يمكن لهذه التوترات أن تتراجع لو ربط الأمن القومي بتوازن المصالح وتشابكها مع الدول التي تؤثر وتتأثر بأمننا القومي.

لقد ادت هذه العوامل وغيرها الى انهيار عملي ومعنوي لنظام الامن القومي العربي لا يمكن اعادته بالشعارات والعناوين، كما فشلت الجامعة العربية هي الاخرىبتطوير مفاهيم الامن القومي، ولعل ابرز سبب لهذا الفشل هو عدم اعتماد الانسان كأساس.

إن عناصر أي أمن من عسكرية، اقتصادية، أمنية، مائية، غذائية، ثروات، صحة، عمالة، مالية، ما هي إلا جوانب متكاملة في تكوين الامن الوطني، أو القومي سيان...

إن الانسان العربي المقهور في وطنه بسبب العرق، الدين، المنصب، اللون السياسي أو اللون الطبقي لن يكون جزء من أي منظومة أمن قومية وطنية بدون تحقق شراكة وطنية كاملة وغير منقوصة، وارتباط هذه الشراكة الوطنية بمصالح متوازنة ومتبادلة مع الدول المختلفة فانه لن يقوم ولن يكون هناك أمن وطني أو قومي.

من هنا لابد من التوقف ملياً امام معضلات مهمة اهمها:

o        كيف تتحقق الشراكة في الوطن الواحد...؟؟

o        وكيف نقفز على المفهوم العربي -لا لنلغيه- الى مفهوم الامن الذي يقوم على المصالح المشتركة مع دول غير عربية- اسلامية أو غير اسلامية-...؟؟

o        وكيف يمكن اعادة الهوية الوطنية بعد أن تم الغاؤها تحت ذريعة الامن القومي العربي...؟؟

وفي اعتقادنا انه لم ولن يقوم أي امن عربي، أو اقليمي أو غيره، ما لم تكن الهوية الوطنية -تفاعل الانسان والارض- ومع الاخذ بنظر الاعتبار المتغيرات التي يفرضها الزمن ومستجداته قد حسمت بالفعل وستبقى -شئنا أم ابينا- بعيداً عن الشعارات التي ترقى الى الارهاب الفكري. وان نضالات الانسان في اوطاننا منكبة على تحقيق الشراكة الوطنية الكاملة كطريق أوحد للسيادة ولمفهوم الامن.

من هذه المفاهيم المطلوب مناقشتها بشكل جاد من قبل المثقفين السياسيين –احزاباً وحكومات- وصولاً لوضع المبادئ الاساسية والمنطلقات الواقعية بعيداً عن المزايدات، لاحداث نقلة نوعية في وضع الانسان في الوطن الواحد، واهم ما في ذلك هو تحقيق الانتماء الحقيقي الى الوطن، وذلك بربط حقوق هذا المواطن بالواجبات المنتظرة منه.

إن هذه الرؤية وهذا المسار سوف يصادفان عقبات كبيرة في واقع مرير تعاني منه شعوب المنطقة،، ولعلها تبدأ بتعريف حق المواطن، وبالتالي العمل على تنفيذ هذه الحقوق لامكان ان تتوافر عناصر الامن الوطني في كل بلد أولاً وأساساً، قبل الانتقال لبناء أمن قومي او اقليمي متوازنين، اما اهمال الانتقال الى تحقيق الامن الوطني فانه لا يعني بالضرورة عدم القدرة وبشكل متوازن على العمل لاقامة توازن امني عربي أو اقليمي، لان هذين الاخيرين لا يمكن لهما أن يتحققا بشكل كامل وحقيقي ما لم يتحقق الاول، والامن الوطني لايتكامل اساساً إن انصب في مصلحة الحاكم، وليس في مصلحة المواطن، فلا يزال الحاكم عندنا لا يمثل المواطن ولا المواطن يثق بالحاكم.

لقد كان الخلل ولا يزال في طبيعة الانظمة الدكتاتورية التي راق لها وتسبب في وجودها واستمرارها اطلاق الشعارات الرنانة باسم الامة العربية وشعوبها، وصولاً الى الغاء الجنسية وسحبها من المواطن في بعض الدول العربية -كالعراق مثلاً- من قبل الحاكم، فكيف يمكن اذاً أن تتكامل الهوية الوطنية؟؟

وكيف يتحقق الامن الوطني والانسان معرض لفقدان جنسيته واملاكه لانه مصنف كمعادٍ للنظام؟؟

ولعل احد المداخل -في العراق مثلاً- لتحقيق الانتماء الوطني وتكوين الهوية الوطنية، هو الحوار البناء العصري الذي يقوم على احترام كل الخصوصيات العرقية، الدينية، المذهبية، السياسية، الجهوية والاقتصادية من مكونات الشعب العراقي، وصولاً الى وضع النقاط على حروفها بالغاء التمايز الغاءً تاماً، وتحقيقاً ناجزاً لمفهوم الشراكة الوطنية والعادالة، ويكفي ايلاماً أن يحيى مواطنون في دول عربية زمناً طويلاً دون ان يحصلوا على جنسية هذه الدول وهم من اهلها.... كما في العراق مثلاً ودول عربية اخرى... في الوقت الذي تمنح فيه دول كثيرة في العالم الجنسية لمن يولد فوق اراضيها، أو حتى في طيارة تخترق سماءها...

ذاك هو الرأي... وذاك هو السبيل اليه...

        الرجوع         

 

الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقغ تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels