5-    الجهل الضروري أو الارتيابية:

     في مجال المعرفة بشكل عام والمعرفية العملية بشكل خاص.

     أن التنوع والتعدد القومي والمذهبي في العراق يضعنا أما مهمة بناء وحدة وطنية من خلال هذا التنوع وأن هذه الوحدة لا يمكن أن تترسخ وتتعمق إلا من خلال تأهيل البلاد سياسيا واجتماعيا وفق قواعد العملية الديمقراطية وأطلاق طاقات الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والمذهبية من خلال الحريات الدستورية، وفتح الباب للممارسة العمل السياسي بحرية تامة ودون قيود. والتأكد على دور الأحزاب السياسية في العملية السياسية باعتبارها أهم متغيرات النظام السياسي التي تؤدي له مجموعة من الوظائف الأساسية، فهي توفر قنوات المشاركة السياسية والتعبير عن الرأي، وهي تجمع المصالح  وتعبئتها، وهي أداة من أدوات التنشأة السياسية، وأحدى الضمانات الأساسية لمنع تجاوز السلطة على حقوق الإفراد، وهي أخيرا تساهم في إضفاء الشرعية على أنظمة الحكم.
 

     والعمل الجاد لبناء مؤسسات المجتمع المدني على أسس صحيحة والتي يجب أن تتمتع بحد أدنى من المؤسسية بحيث لا تتخذ شكل النشاط المؤقت، وتتمتع أيضا باستقلال نسبي عن الدولة، وتدير أنشطتها ذاتيا، ولا ترتبط بأحزاب سياسية أو تسعى للوصول إلى السلطة وذلك باعتبارها منظمات اجتماعية غير حكومية تحتل مكانا وسطا بين الدولة من جهة وبين المجتمع من الجهة الأخرى.
 

     أن ما تعرض له العراق على يد نظام صدام حسين أكثر النظم طغيانا في هذا العصر، أدى غلى أضعاف مكونات المجتمع والدولة معا، ما عدا النظام وشبكة أجهزته العسكرية والأمنية، وتعطيل عملية التنمية الاقتصادية والسياسية. فدخلت البلاد في      أزمات التنمية السياسية وعلى رأسها أزمة الهوية بمعنى التشرذم الثقافي والعجز على التكامل الوطني في أطار واحد، وأزمة المشاركة السياسية وحرمان المواطنين في الإسهام في العملية السياسية والتأثير فيها من خلال الترشيح والتصويت وحضور المؤتمرات والندوات وتشكيل الأحزاب وتأسيس الصحف والمجالات وتقلد الناصب السياسية، وأزمة التوزيع بمعنى انتقاء العدالة لتأصيل منافع الثروة الوطنية بين المواطنين، أو بين المحافظات.
 

     وأزمة الشريعة التي تأتي كمحصلة لمختلف الأزمات السابقة وتعبر عن رفض الشعب العراقي كل مكوناته وطبقاته للانصياع الطوعي لأوامر السلطة السياسية، ولا يتغيب عن بالنا أن العراق واجه أزمات التنمية السياسية هذه دفعة واحدة.
 

     أن كل نظام اجتماعي يتضمن العديد من التفاعلات التي تجري داخله والذي يضبط مسار هذه التفاعلات هو النظام السياسي من خلال أنماط محددة من التوجهات وتعتبر الثقافة السياسية لمجتمع ما بمثابة التنظيم غير المقنن للتفاعلات السياسية، ومن هذا تأتي أهمية الثقافة السياسية في العملية السياسية باعتبارها تمثل منظومة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة في المجتمع.
 

     وهي تتشكل عبر تفاعل الخبرة التاريخية والوضع الجغرافي والمعتقدات الدينية والظروف الاقتصادية والاجتماعية والرأي العام وتأثيراته، ولمعرفة درجة تطور الثقافة السياسية لمجتمع ما فان المعيار الرئيسي القياسي لدرجة التطور هذه تكون من خلال تحديد توجهات ومواقف أفراد المجتمع إزاء أربعة موضوعات:
 

1-           الموقف من النظام السياسي بصفة عامة ومن طبيعة هذا النظام.

2-           دور المواطنين في النشاط السياسي ومدى انخراطهم فيه مثل الترشيح والانتخابات المشاركة في نشاطات الأحزاب والنقابات ومطالعة الصحف وبيانات الأحزاب وبرامجها.

3-           تصورات أفراد المجتمع عن أنفسهم كمشاركين في العملية السياسية.

4-           النشاط الحكومي على صعيد تقديم المساعدات الاقتصادية وتنظيم شؤون أفراد المجتمع ورعاية مصالحهم.

 

وتأسيساً على ما سبق يمكننا تحديد نموذجية للثقافة السياسية... الثقافة السياسية التابعة والتي توجد في المجتمعات التسلطية التي تنعدم وتضيق هامش الحريات فيها وتكون مواقف السلطة السياسية وممارساتها مؤسسة على ما يخدم التوجهات العامة لنظامها وتكريس ظاهرة تسلطها، لذالك يتواضع أو ينعدم أسهام المواطنين في العملية السياسية رغم معرفتهم التامة بالنظام السياسي وتطبيعية وتوجهاته بقواعد اللعبة السياسية لإدراكهم الكامل لعدم جدواها، حتى يصل الأمر أن الكثير من أفراد المجتمع لا يعرف أن كان له دستور دائم أومؤقت ومتى صدر وما هي المواد التي يحتويها ويتضمنها لأنهم يدركون جيدا إن هذا الدستور مجرد حبر على ورق وان ممارسات النظام السياسي خارج اطر الدستور والقوانين والأعراف.
 

والنموذج الثاني هوالثقافة السياسية المشاركة ويسود هذا النمط من الثقافة السياسية المجتمعات الديمقراطية التي يكون بالرأي العام فيها دور مؤثر وفاعل سؤاء من خلال المؤسسات التي تعبر عنه مثل الأحزاب السياسية أومن خلال عمليات وإجراءات التصويت والترشيح في الانتخابات العامة واستطلاعات الرأي والندوات.
 

ولقد أجاب "صموئيل هنتنغتون" عن السؤال الأهم الذي شغل معظم الباحثين في العلوم الاجتماعية... وهوسبب التقدم في بعض البلاد ولماذا تتأخر بلدان أخرى؟ وقد أجاب عن هذا السؤال ببساطة قائلاً: أنها القيم الثقافية... وهكذا اعتبر أن القيم الثقافية هي مقياس التقدم. وفي نفس السياق يؤكد "لورنس هاريسون" صاحب كتاب "التخلف حالة عقلية" حيث قام بدراسة أسباب التخلف السياسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية مؤكد أن هذة الدول لا تمتلك سبل التقدم لان ثقافتها الأساسية وقيم شعوبها لا تشجع على الديمقراطية.
 

وهكذا ينتهي هنتنغتون وهاريسون مع سلسلة طويلة من علماء الاجتماع الذين شاركوهم الرأي، رابطين ربطا شبه اتوماتيكي بين الثقافة والتقدم في مواجهه واضحة مع الفكر الماركسي الذي أولى الثقافة مرتبه متأخرة على النسق الإنتاجي في التحليل لتقدم الشعوب.
 

ومن هنا نلتمس أهمية العلاقة بين النسق الثقافي والأداء السياسي والاقتصادي للأنظمة المختلفة.

السؤال الذي يطرح نفسه علينا بإلحاح هو كيف نخلق في عراق المستقبل الديمقراطي ثقافة سياسية مشاركة؟
 

للإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا أن نجيب على قضية في غاية الأهمية، ألا وهي قضية الانتماء والهوية في المجتمع العراقي المتعدد في القوميات والمذاهب، ونقصد بالانتماء هوشعور الإنسان بالانتماء لجماعه بشريه ما واعتناقه لرمزها وتقاليدها وقيمها، وهذا الشعور هوالذي يعطيه ذاتية ثقافية وخصوصية ما، كما أنه هو الذي يضع الحدود والفواصل بينه وبين  الجماعات الإنسانية الأخرى، وانتماء الإفراد لمجتمع معين لابد أن يرتبط بالا جابه على عدة أسئلة مثل:
 

أين يقفون أثناء تفاعلهم مع غيرهم من أفراد المجتمعات الأخرى؟ وما هوتصورهم وإدراكهم للهدف من وجودهم؟ وما هي الوسائل والسبل والتصورات لتحقيق هذا الهدف؟ والاجابة عن هذه الأسئلة تتم من خلال عمليه التنشئة السياسية، وعدم الإجابة عنها يؤدي إلى خلق ما يعرف "بازمة الهوية".

 

ومستويات الانتماء في العراق متعددة منها

مستوى الأسرة، مستوى العشيرة، أوالقبيلة، ومستوى القومية، ومستوى الطائفية الدينية، ومستوى الوطن، ومستوى الأمة، وفي كثير من الأحيان نجد أن قيمة الولائات التحتية (دون مستوى الدولة والوطن) تكون من القوى بحيث تتنافس مع الولاء للوطن أوالدولة لاعتبارات عديدة، أهمها وأبرزها على الإطلاق هوعجز الحكومات والسلطات السياسية التي تعاقبت على حكم العراق عن التعبير عن مكونات الشعب العراقي بكل قومياته وطوائفه المذهبية والدينية تعبيرا حقيقيا وعادلا ومتوازنا، وعدم الانحياز لقومية دون أخرى، أو لطائفة على حساب أخرى، وضعف علاقة انتماء المواطن بالدولة ليس هو المظهر الوحيد لازمة الانتماء والهوية، فهناك بعد أخر يتمثل في أن بعض أقسام من المجتمع العراقي ترفض حدود الدولة وتتجه بولائها إلى نطاق أوسع قد يكون قوميا (عربيا) أو امميا (إسلاميا).

 

كيف نحقق التناسق والتوازن بين تلك الأطر الانتمائية مع الولاء للوطن والدولة ذاتها.
 

لا يوجد بالضرورة ما يحتم التصادم في ما بين هذة الانتماءات والولائات فليس هناك ما يمنع أن يعزز المواطن انتمائه إلى جماعة اللغوية أو المذهبية أو القبلية، ولكن بشرط أن لا يكون انتمائة لوطنه أو دولة محل خيار أو مفاضلة. وهناك الكثير من المجتمعات التعددية والشديدة.
 

التنوع الثقافي في العالم استطاعت أن تتكامل في أطار سياسي واحد وتصطلح على حد أدنى من القيم السياسية والاجتماعية وتبنى مجتمعات متقدمة وحضارية.
 

بالتأكيد هناك ثقافات متعددة ومتنوعة في العراق، تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادي من أهلها للحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة، وهي تغتني بتجارب أهلها وأيضا باحتكاكها سلبيا وايجابيا مع الهوبات الثقافية الأخرى. كيف يمكن إدماج هذه الثقافات في ثقافة وطنية واحدة؟ لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا في ظل شروط سياسية واقتصادية معينة، كما حدث في تجارب شعوب ومجتمعات كثيرة في عالمنا المعاصر، أي في شروط تضمين فكرة الدولة الوطنية العناصر الضرورية لجعل الانتماء السياسي الوطني هو الانتماء الأول، ولعناصر الضرورية هي الحرية والمساواة أمام القانون والعدالة الاجتماعية. أن الهوية الثقافية كيان يصير ويتطور وليس كمعطى جاهزا ونهائيا، ولا يمكن أن تتطور باتجاه الهوية السياسية إلا في ظل هذه المعطيات.       

 

 

        الرجوع         

 

الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقغ تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels