|
الجزء الثالث
صياغة رؤية مستقبلية
للعراق
عبر الزمن تتآكل النماذج السياسية
والاقتصادية والاجتماعية على الوفاء بحاجات
التطور، وتمر المجتمعات في أزمة.. عادة ما
يحتد فيها الصراع بين أفكار وتصورات متناقضة،
وكل فكرة تريد أن يؤسس على أساسها النموذج
الجديد. ثم ينشأ النموذج الجديد ليفي بحاجات
التطور وباشتراطات المرحلة التاريخية
السياسية. واستنادا إلى ذلك تسقط النماذج
القديمة وتحل محلها النماذج الجديدة على كافة
الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثنائية والعلاقات الدولية.
وهذا ما نراه اليوم في عالمنا الجديد، حيث
ظهرت العولمة كظاهرة تاريخية كبرى لها أنماط
متعددة من الوجوه، ومناهج متعددة الحقول..
لتضع حدا لمرحلة تاريخية ازدهرت فيها الظاهرة
الإيديولوجية. ومن هنا فان التاريخ لا يضعنا
أمام خيارات متعددة ننتقي منها وفق مزاجنا
الشخصي وأرادتنا الذاتية لما يبدو لنا للوهلة
الأولى انه الاصواب والأسلم.. وإنما وضعنا
أمام خيار واحد وعصر جديد أصبحت فيه العمليات
السياسية والأحداث والأنشطة لها بعد كوني
ودولي متزايد وبعد مكاني تمثل في التعمق في
مستويات التفاعل والاعتماد المتبادل بين الدول
والمجتمعات... عصر له سماته الخاصة وقوانينه
التي تحكم حركته وتضبط مساره. ودور الإرادة
الإنسانية هذا تتمثل في حسن استخدامها لهذه
القوانين والقدرة على الاستفادة من حركتها
والكفاءة في إدارة التفاعلات الناجمة عنها.
وهذا يضعنا أمام مهمة الاندماج والتكيف
الهيكلي الكامل مع حقائق ومقتضيات وضرورات
العصر الجديد، وخاصة تجلياته السياسية التي
أبرزها سقوط الشمولية والسلطوية ومشروعيه
الحزب الواحد والنزوع إلى الديمقراطية
والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان.
نحن بحاجه إلى ثورة عقلية لإسقاط كل العوالم
التي كان يكتنفنها الغرابة والقداسة والرموز
والمطلقات... عصر المطلقات والحتميات انتهى،
يبدأ عصر الممكنات والاحتمالات المفتوحة.. ليس
هناك من حتميات للانتقال والتغيير الاجتماعي،
بل هناك احتمالات لابد من العمل عليها وفق
حسابات موضوعيه دقيقه يجب أن تتسلح بمعرفه تضع
في اعتبرها من الممكنات والاحتمالات.
إن اعتقاد الإنسان انه يملك الحقيقة المطلقة
ويعلم معناها الكلي والشامل، في رأيي اعتقاد
خاطئ، وهومصدر اعتقال العقل الإنساني... عقل
الذات وعقل الأخر، وهو بالتالي يشكل المصدر
الذهني لكل قمع، الذي يناصب العداء
للديمقراطية وللغة الحوار التي تتطلب أمكانية
خطا الذات واحتمال صواب الأخر، التي لا يمكن
أن تزدهر وتتعمق وتستمر في ظل المعطيات
المطلقة، وهنا يحضرني استعاره توصيف "بيكون"
حول تحطيم أصنام العقل البشري عن طريق نقد
العقل ألاعتقالي وتفكيكه وتهديمه. وعلى هذا
الأساس فان الحوار الموضوعي الهادف لا يتم في
ظل قوالب وبنى ذهنية تسيطر وتتحكم في العقل
الإنساني وتقع فريسة لمذهبيه مقيتة وقاتلة
سواء كانت دينية أو أيديولوجية. لقد كانت من
اكبر الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي
كممارسين سياسيين هي محاولة تقريب وتكيف
الواقع الموضوعي ومعطياته لمذهبنا السياسية
والفكرية، ومن محاولة تقريب مذاهبنا لهذا
الواقع ولحركته، ووقعنا فريسة لتبسيط الأمور
وتسطيحها والتعميمات الخاطئة المستمدة سلفا من
منطق مجرد يحلق فوقه الواقع دون الارتكاز على
مقتضياته وحقائقه.
وبالاستناد إلى كل ذالك فان أزمة الحوار
والديمقراطية في عالمنا العربي تضرب جذورها في
بنى ذهنية أعمق من ممارسة حاكم ظالم، وحزب
واحد. أذن لابد من الارتقاء إلى طموح مشروع
ورغبة في الأخذ والعطاء يكون طريقها ومسارها
"الآن" للتعامل مع الآخر ومن قواعد الشفافية
والمكاشفة والتسامح العقلانية من اجل صياغة
وعي ديمقراطي... وهذا في اعتقادي لن يحصل ألا
عبر تغيير كيفي في عناصر الرؤى السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ترتبط منذ
البداية برؤية عقلانية تاريخية تنويرية وتوجه
ديمقراطي يقوم على مبدأ التعدد والاختلاف
وحرية التعبير ويأخذ بمبدأ النسبية الثقافية
في مواجهة العنصرية والمركزية وبمبدأ النسبية
الفكرية في مواجهة الاطلاقية الأيديولوجية.
أن بناء العملية الديمقراطية ليست مسالة سهلة
كما يتصورها البعض، فما نراه اليوم من تطور في
العملية الديمقراطية في المجتمعات الغربية لم
يحصل ألا عبر أكثر من قرنين. وهناك فارق كبير
بين لحظة تكون الديمقراطية في المجتمعات
الغربية وبين تطورها الراهن، يجب الانتباه
أليه.
ففي الوقت الذي تعني الديمقراطية نظام وأسلوب
حكم، فأنهن بالمقابل طريقة ونمط حياة الذي
تمخض منها ذالك الزواج التاريخي بين فكرتين
منفصلتين الفكرة الديمقراطية الفكرة
الليبرالية، الفكرة الديمقراطية تعني علميا
وضع السلطة السياسية بيد الأكثر، أما الفكرة
الليبرالية فأنها تعني وضع القيود على السلطة
الاكراهية للدول وتامين مساحة محمية من
الحقول... حق الملكية وحق الحرية وحق الحياة
وحق التنقل وحق المساواة ولا يحق للدول أو
الحكومة أن تمس هذه الحقول وألا فقدت
شرعيتها... وهذه الحقول هي حقوق فردية وتقع في
حيز ما هو خاص لا يجوز التدخل فيها آو
الانتقاص منها.. وهذا هو الأساس للتمييز بين
ما هو خاص وما هو عام، انه تمييز أساسي في
النظرية الليبرالية، وان النقاش ضمن التيار
الديمقراطي حول حدود تدخل الدولة في حياة
الأفراد أو حول ما هو خاص يشكل ارق مستديم في
جوهر الفكر الديمقراطي من أن تكون الحكومات قد
واطئت خلسة ضمن أطار ما هو خاص.
إن الديمقراطية كأسلوب ونظام حكم عملية واضحة
ولا يكتنفها الغموض لان هناك سمات مشتركة
لجميع أنظمة الحكم الديمقراطي يمكن تلخيصها
بما يلي:
1- الاعتراف الدستوري بالحقوق
والحريات الأساسية للمواطنين وحمايتها من
اعتداءات السلطة.
2- التداول الطبيعي للسلطة عن طريق
الانتخابات الدورية الحرة والسرية والعامة.
3- الفصل بين السلطات الرئيسية
الثلاثة.
4- مبدأ سيادة القانون والمساواة
إمامه.
5- حماية الأقلية من طغيان
الأغلبية.
6- المشاركة الشعبية في صناعة
القرارات على المستويات المختلفة بما يتطلب
ذالك من الأخذ بمبدأ اللامركزية وتوزيع للمهام
والصلاحيات.
أما الديمقراطية كنمط وأسلوب حياة فأنها
العملية الأهم والأصعب لأنها تتطلب تكريس
وتعميق واحترام مجموعة من القيم والمبادئ في
الحياة العامة من اجل إشاعة الحياة
الديمقراطية... والتي أبرزها:-
1- مبدأ الفردية:
الذي يقوم على اعتبار الفرد قيمة بحد
ذاته يتساوى في حريته وحقوقه الأفراد
والآخرين، أما الدول أو الحكومة فما هي إلا
وسيلة لتنظيم علاقات أفراد المجتمع بالشكل
الذي يخدم ويحقق مصالحهم المشتركة ويحمي
حقوقهم. أما الذين يقفون ضد هذا المبدأ
فأنهم يعتبرون نوع من الوهم، يعمل على تخريب
وتمزيق الرابطة الجماعية التي تجعل الفرد يعي
أن وجوده أنما يكمل في كونه عضوا في جماعة وفي
طبقة وفي امة... فهذا الوهم حسب اعتقادهم يهدف
إلى إلغاء الهوية الجمعوية والطبقية والوطنية.
2- التسامح والحياد
القيمي:
ويفترض هذا المبدأ التعددية وعدم
الانحياز إلى رأي دون أخر، أو جنس دون أخر، أو
عقيدة دون أخرى، أو نسق قيمي دون أخر، وهذا
يعني قبول الرأي المختلف والاجتهاد المختلف
والهدف المختلف والذوق المختلف. وتعارض الفرد
القسري للأفكار والتصورات والقيم والأهداف،
والذين يعارضون هذا المبدأ يأخذون عليه انه
يعمل على تكريس التحلل من كل التزام أو ارتباط
بأي قضية.
3- المساواة أمام
القانون:
وهو مفهوم لا يتناقض مع الاختلاف في
المصالح وإمكانيات والمواهب الطبيعية ويؤكد
هذا المبدأ على المساواة في الاحترام
والمعاملة رغم التفاوت في المعطيات الموروثة
والمكتسبة مثل المال، والمناصب وغيرها، أو
الفطرية كالقدرات والمواهب العقلية.
4- العقلانية:
وتتمثل بأهمية ودور الحل الوسط المنصف
وفي التوفيق بين المصالح والمواقف والآراء
والأهداف المتنافسة التي يفترض وجودها وتفترض
شرعيتها، ويؤكد هذا المبدأ على أهمية الحوار
والإقناع والمحاججة.
تابع
|