|
(حليب المارينز) رواية الحلم العراقي الذي
تحـوّل إلى كابوس
لعل رواية "حليب المارينز" لعواد علي- وهي
روايته الأولى- تعد الأكثر شمولية من بين
الروايات التي قرأتها عن واقع العراق الراهن
وماضيه القريب، لما حفلت به من أحداث امتدت
الى أقاصي جرح العراقيين بدءاً من الحرب
العراقية الإيرانية مروراً بحرب الخليج
الثانية في العام 1991 وما تلاها من نكبات
وصولاً الى سقوط النظام ودخول قوات الاحتلال
الى العراق في العام 2003.
صورة بانورامية وضعها عواد علي أمامنا وأعادنا
الى تلك الأيام التي كنا فيها على شفا حفرة من
الموت، مضيفاً إليها تفاصيل كثيرة أغفلها
الإعلام العربي والعالمي عن عمد أو كان جاهلاً
بها، تلك التفاصيل التي تخص طبيعة تكوين هذا
البلد من حيث تنوع ثقافاته وأديانه ومذاهبه،
وبالتالي نوع الكوارث التي تناسب هذا التنوع
من وجهات النظر المتعددة والمختلفة التي صنعت
الكوارث أو كانت على مقربة منها..يدخل عواد
علي بقوة الى أرض الأحداث، مسلّحاً بثقافته،
مستفيداً من تجاربه الميدانية، حيث كان أحد
الجنود الذين اكتووا بنار الحرب، ومانحاً
شخصياته حرية التنقل في الأمكنة والأزمنة.تبدأ
الرواية (دار فضاءات، 2008) من إطلالة الربيع
على مدينة "أوتاوا" الكندية، حيث يعيش بعض
اللاجئين العراقيين، في الوقت الذي كان فيه
تمثال ساحة الفردوس يسقط في بغداد، وكان ثمة
غراب يحوم على حديقة بيت سامر- إحدى الشخصيات
الرئيسية في العمل- وفي هذا الوقت قُتل "جون"
في بغداد وهو شقيق آنيا الذي جاء من كندا مع
صديق له ضمن مجموعة متطوعين أجانب قبيل الحرب
ليكونوا دروعاً بشرية تحمي المنشآت الحيوية في
العراق.. وجون هذا مهووس بتاريخ وادي
الرافدين، وهو صديق حميم لسامر وزوجته عشتار
اللذين استقرا في أوتاوا وأنجبا طفلين لكنهما
ظلا يحلمان بالعودة الى العراق، وقبل ذلك كان
سامر لاجئاً في مخيم رفحا السعودي بعد حرب
العام 1991، لكنه هرب وجاء الى عمّان ثم غادر
الى قبرص ليعمل في مجلة عربية لينتقل لاحقاً
الى بيروت ويعمل في إحدى دور النشر التي سبق
أن أصدرت له كتابين ثم ليقرر المغادرة الى
كندا لاجئاً مثل آلاف العراقيين الذين ضاقت
بهم سبل العيش.يأتي المؤلف على ما حدث بعد
السقوط من نهب وسلب وتدمير للمتاجر والمتاحف
من قبل اللصوص والجياع، ومن استباحة كل ما هو
رمز حضاري لهذا البلد وذلك لطمس ذاكرته
وتاريخه ومنجزات شعبه ومن تفريغ مخازن الحكومة
من جميع محتوياتها، الحكومة التي سقطت منذ أول
يوم لدخول الأميركان، فكانت المعاول والفؤوس
تهشم الأبواب وتأخذ كل شيء.. ويحكي عن تلك
الأيام التي هرب فيها الكل من مناطق سكناهم
باحثين عن أمكنة أخرى طلباً للأمان؛ في حين
تربص اللصوص وحانت فرصتهم لسرقة المواد
الغذائية وكل ما تقع عليه أعينهم في البيوت
والمتاجر ودوائر الدولة، أما الذين هربوا من
بيوتهم فسيعرفون بعد حين أن كل بقعة من أرض
الوطن ستطالها القنابل والصواريخ.تتناوب
الشخصيات على سرد الأحداث، كل من وجهة نظره
وبحسب الظروف التي مرت به.. وتمتد الحكايات في
مدن متعددة من العراق، في الشمال والوسط
والجنوب إضافة الى المدن الكندية، فهذا ساهر
يحكي قصة هربه من الأهوال من منطقة ساخنة في
كركوك بعد إقناع والدته بالهروب الى منطقة
أخرى ومعه هربت العديد من العوائل، تاركين
خلفهم دوي الانفجارات ولهيب الحرائق، وظانين
أن الأماكن التي لجأوا إليها ستكون آمنة.يعيد
إلينا عواد علي الأيام الأولى لذلك الانهيار
السريع والمريع لجميع مفاصل الدولة، وكذلك
القواعد الشعبية والجيش والشرطة مما جعل كل
المدن تستسلم لقدرها دون أية مقاومة، أو ربما
بمقاومة هزيلة غير منظمة.منظر النهب والسلب لا
يبرح الذاكرة.. سيارات وعربات ودراجات ولصوص..
كل شيء قابل للنهب في غياب القانون: الأثاث،
الأجهزة الكهربائية، الأوراق النقدية، المواد
الغذائية.. وسط فوضى من هتافات وزغاريد ورصاص
وإحراق صور الرئيس وتهشيم تماثيله وظهور أعلام
ملونة وصراخ شبان ذوي جباه معصوبة بخرق ملونة
تشير الى الأحزاب التي يؤيدونها حاملين صور
زعمائهم.. الكل يصيح، الكل يهتف، الكل يصرخ
بعد انهيار حاجز الخوف.. صورة عجيبة وخلطة
غريبة هي خليط من فرح وسلب وحرق وغناء ورقص
وتحطيم واستفزاز وهتافات وإطلاق نار وعربدة
وشغب وأكثر من ذلك.. هذه هي الصورة المفزعة
التي يعيدها إلينا عواد علي، وهي صورة حقيقية
لما جرى في العام 2003، وصار الجياع والمهمشون
هم من يتسيد المشهد كتفريغ نفسي لما عانوه
طيلة سنوات الحروب، وكذلك القتلة والسراق حيث
لا قانون يحكم البلاد.الحكايات والذكريات التي
تتألف منها الرواية وتدور على ألسنة الشخصيات
هي يوميات لتلك الأيام الخارجة من قمقم
المعاناة، صور معتمة، وصور متنافرة، وصور
غريبة، وأخرى تعد من المفارقات، كصورة ذاك
الشحاذ الذي خرج الى الشارع في يوم السلب
والنهب للاستجداء؛ في حين كان يمكنه أن يأخذ
ما يشاء من أي مخزن حكومي كما يفعل الآخرون.كل
شخصية تحكي ما تراه ثم تأتي الأخرى لتكمل
الحكاية من وجهة نظرها الخاصة عن أيام السقوط
المدوي وما حدث بعد ذلك للبلاد، ومن تلك
الأحداث ينتقل عواد علي الى زمن آخر هو زمن
اللاجئين ونمط حياتهم ويومياتهم في الغربة
وذكرياتهم في الوطن.. انتقالات سريعة مثل
لقطات سينمائية، تأتي بك من هنا وتأخذك الى
هناك، من مدينة الى مدينة ومن بلد الى بلد، من
قرية في شمال العراق الى مدينة في الوسط أو
الجنوب، من زمن بعيد الى آخر قريب، الى أقرب،
ثم الى الحاضر، وانتقالة أخرى الى الماضي
ونسيج حكاياته.. سنخرج من أيام الفوضى الى
المدن الكندية الهادئة، نذهب ونجيء، من الصخب
الى السكون ثم الى الضجيج ثانية، كأن الرواية
سيمفونية تصعد بنا وتهبط ثم تعلو وتهبط لتلامس
أعماق الروح بكل ندوبها وجروحها المتقيحة..
نمط حياة هناك لا يشبه ما كان في الوطن،
ومسافات لا ترى من الاختلافات بين عراقي يعيش
نار المحنة الملتهبة وآخر يحاول إخماد النار
في ثلوج كندا، فلا هو قادر على النسيان ولا هو
منسجم مع الحياة.رواية يقوم فيها المؤلف أيضاً
برحلة في التاريخ العراقي القديم عبر حكايات
صغيرة ينثرها بين طيات روايته لتكون مرجعية
يعود منها الى أيام الحروب وأهوالها.. شخصيات
غادرت البلد ليس فقط للتخلص من كوارثه، بل
بحثاً عن حلم يسكن في الرأس، فسرجون الذي درس
التاريخ القديم دون رغبته، بل لتحقيق رغبة
أبيه، يحلم أن يصبح ذات يوم ممثلاً مشهوراً،
خصوصا أنه مفتون بالسينما ويشبه عمر الشريف،
لذلك يغادر الى بيروت ومنها الى مونتريال، لكن
حلمه يتلاشى بمرور الوقت بعد أن أتيحت له فرصة
عمل أخرى مهّدت له بعد مدة أن يكون صاحب مكتبة
كبيرة في المدينة ويتزوج من ناتالي ذات الأصول
الفرنسية، وسنعود الى حكاية "جونس الذي قُتل
في بغداد تاركاً لشقيقته آنيا رسالة كتبها قبل
ساعات من موته مع كتاب عن آثار بلاد ما بين
النهرين، وسنعرف من تلك الرسالة بعض ما جرى في
بغداد أيام سقوط النظام وكيف تعطلت الحياة
فيها ودُمرت المنشآت وحصدت الحرب أرواح
الناس.. وستحكي عشتار عن أخيها أوروك الذي
قُتل في واحدة من الحروب السابقة وكان شاباً
مفعماً بالحياة ومحباً للأدب وشغوفاً بقصص
محمد خضير وعوالمه السحرية.. وسيأخذنا سامر
زوج عشتار الى أيامه الصعبة في الحرب العراقية
الإيرانية حيث ذاق مراراتها خلف السواتر وداخل
الخنادق.. وستحكي روزا اليهودية حكاية هجرة
عائلتها من العراق ثم ستخبرنا عن رفضها الهجرة
الى إسرائيل بصحبة زوجها، لذلك فضّلت الطلاق
وبقيت في كندا يراودها حلم رؤية البلد الذي
وُلد فيه أبواها وأجدادها.. وسنقرأ حكايات
كثيرة وحوارات ساخنة كلما اجتمع العراقيون وهم
في أقاصي الدنيا موزعين على المدن الأوربية
يجرجرون ذكرياتهم ويعيشون حالات اغترابهم،
وسنجد أن الكاتب قد نجح كثيراً في طرح وجهات
النظر من زوايا متعددة، مانحاً شخصياته مساحة
واسعة من التعبير ليقولوا كلمتهم رغم كثرة
الشخصيات.. ونجح أيضاً في رسم صورة بانورامية
لتاريخ العراق القريب الذي شابَهُ الكثير من
التشويه والتعتيم بسبب كثرة الولاءات
والانتماءات العرقية.
يقول الناقد عبد الله إبراهيم: "الرواية فيها
تشويق وتنقلات، وطريقة العرض موفقة جداً
لرواية تقوم على وجهات النظر وتتقاطع الشخصيات
وتتباين خلفياتها العربية والكردية
والتركمانية والمسيحية واليهودية، في إطار
علاقاتها مع العالم المنفى"، فيما يقول عنها
سلام سرحان: "ثمة مسافة رقيقة بين الروائي
وبين الحدث، أو الانعطافات في هذه الرواية..
إنها تتحرك برشاقة مذهلة، والروائي يحرك
الشخصيات والأحداث في لحظات عالية لا تبكر ولا
تتأخر".تلك هي "حليب المارينز" الرواية المهمة
التي تؤرخ لأصعب مرحلة مرّ ويمرّ بها العراق،
وهي جديرة بالقراءة وتعد إضافة نوعية للأدب
العراقي والعربي. |