رواية الإرهابي(Terrorist) لجون أبدايك دراسة نقدية 

 د. أحمد عبد الفتاح الليثي

يهتم الناقد الأدبي بمعايير معينة ينظر من خلالها إلى العمل الأدبي في محاولة لتقييمه على أسس مدروسة تخلو من الانحياز الشخصي، وتتسم بالموضوعية أكثر من أي اعتبار آخر. أو على الأقل هكذا ينبغي أن يكون الوضع.

ويرى أپدايك أن القرآن يخلو من الجمال اللغوي الذي تميل إليه الشخصية الغربية، فهو يعج بالتشريعات. أما الجانب الشعري فيه فيتسم بالغموض وعدم الوضوح. وكأنه بقوله هذا حجة على القرآن الذي لم يقرأه -إن كان قرأه- إلا ترجمة. أو أن من المفترض أن يتوافق القرآن الكريم ومزاجه الشخصي. فأي بلاهة بعد هذه البلاهة؟

يرى أپدايك كذلك أن القرآن يذكر النار وعذابها كثيراً، كما يذكر وصف حال أهل النار وما يلاقونه من عذاب في أكثر من موضع، وخاصة ما يقومون به من "شرب المعادن المذابة". ولهذه الأسباب فهو كتاب غير محبب على الرغم من أن الآيات التي قد تتلو الحديث عن النار وعذابها قد تتحدث عن شيء يبلغ الغاية في الكرم والفضل من الله. ولكن ليس كرم الله وفضله هو المهم، ذلك أن القرآن يحتوي على حال آهل النار. ومن الصعب أن يحلل الإنسان بدقة سبب اعتقاد أپدايك هذا. فلو كان نصرانياً، فما أكثر الطوائف والفرق التي تنتمي للنصرانية، ولكل منها اعتقاد مختلف عن غيرها حول الجنة والنار. بل من المعتاد أن يكون لكل نصراني عقيدته الخاصة في الجنة والنار، بل وفي تفسير كتابه المقدس. ولا ينكر هذا إلا مجادل، لا يعلم من شئون العقائد شيئاً. ولكن المتفق عليه بين أهل النصرانية أنهم بعد موتهم سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب لأن ذنوبهم قد غفرت بصلب من صلب على الصليب، ذاك الذي فداهم، ومنح العالم دمه ليدخل الجنة كل من يؤمن به مخلصاً. وعلى هذا فإن وجود كتاب ينفي هذا ويتحدث عن سخافة هذه الفكرة، ويقر بوجود النار وأنها للعصاة من خلق الله، ويعدد بعضاً من أنواع العذاب ... إلخ يعد أمراً يبث الرعب في قلوب العصاة، ممن نبذوا دين الله، وتعاليم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ولذا فإن الخيار الأمثل هو إنكار هذا الكتاب وتعاليمه، والكفر به وبنبيه، وتشويه صورة اتباعه. ونسى أپدايك ومن سار على نهجه أن كل هذا "لا يغني من الحق شيئاً". والخلاصة أن أپدايك قرأ في القرآن ما لم يوافق هواه، فما كان منه إلا أن عاداه. ولو أن شخصاً غير أپدايك فعل مثل هذا الفعل لالتمسنا له العذر، أما من يفترض فيهم "المعرفة" فما أقبحه من فعل.

يحدثنا أپدايك عن رأي أحمد عشماوي في مدرسي المدرسة، ويبرز لنا أن هناك خلطاً كبيراً في نفسيته، ووسوسة من شيطانه تشككه في الحياة بعد الموت. ثم ينتقل بعد ذلك ليغرق القارئ بصور العذاب والجحيم، ويخلطها بتساؤلات حول القوانين الخاصة بالديناميكية الحرارية، وكيف يمكن أن للنار والجنة أن يستمرا، وما هو مصدر الطاقة التي تجعلهما مستدامتين ... وينتقل بعد هذا ليجعله يشك في عقيدته، ويملأ نفسه ونفس قارئه بصور للنار والعذاب وغير ذلك مما هو واضح في جميع ثنايا الرواية، بغض النظر عن خلط أپدايك بين أسماء سور القرآن بعضها ببعضاً فيضع ترجمة لآيات من سورة ما ويسميها باسم سورة أخرى، وهو يعلم أن القارئ لن يفتح المصحف ليبحث عن تلك الآيات. فليست صحة المعلومة هي شغل أپدايك الشاغل.

ولكن السؤال الآن لماذا يعد موضوع القرآن مهماً هنا؟ السبب هو وجود استشهادات متعددة بالقرآن في رواية "الإرهابي". ومن الاستشهادات التي تحتل مكاناً بارزا، حتى عند التعريف بالكتاب: Of those who plot, Allah is best (أي من بين من يحيكون المؤامرات الله هو أفضل من يحيكها) وهي ترجمة مشوهة خارجة عن السياق والفهم الصحيح لقوله تعالى "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين". ويحاول أپدايك بهذا أن يقنع القارئ أن ما يقرأه على سبيل الترجمة الإنجليزية هو النص الأصلي. فالعقيدة النصرانية مثلاً تعتبر الترجمات نصوصاً. وبالطبع فإن القارئ الغربي العادي لا يدرك الفرق بين النص القرآني والترجمة، ولا يمكنه أن يدرك الفرق ما لم يقم بجهد كبير في البحث، وهو ما لا يفعله قراء الروايات. بل إن فكرة ابتعاد الترجمة عن النص الأصلي غير موجودة على الإطلاق في ذهن القارئ، بله خروج النص المستشهد به عن السياق.

ويستخدم أپدايك وسيلة أخرى للنفاذ إلى القارئ والتعمية عليه، فيقوم بنقل بعض الآيات القرآنية -بحروف أعجمية - فيضعها في متن روايته. وليس ذلك إلا لإحداث فجوة عند القارئ بينه وبين القرآن، ولغرس الإحساس بأن هذا الكتاب ليس كتاباً يمكنه أن ينشيء معه علاقة أو نوعاً من أنواع الاتصال. والأكثر من ذلك أن يوهم القارئ بأنه يعرف معنى ما يستشهد به بالعربية حتى وإن كانت الحروف أعجمية. وقد استعان أپدايك بشادي ناصر في تلك الفقرات التي نقحر فيها آي القرآن الكريم. وشادي ناصر هذا مجرد طالب، حتى وإن كان من طلاب الدراسات العليا.

ورغم كل هذا لا يسع أپدايك إلا أن يعترف بتأنيب ضميره حين وضع بكتابه ما لا يستطيع النطق به. ثم نجده يخبرنا أن "اللغة العربية لغة جميلة للغاية، وتحتاج للنطق بها إلى ليِّ لسانك بطريقة لا تعرفها الإنجليزية. وحين يسمع المرء الآذان يغمره أغرب شعور يملأ عليه كيانه، ويدفعه دفعاً من جماله إلى اعتناق الإسلام في الحال. إن شعوري هو أن تلك اللغة هي لغة الله، وحقيقة أنك لا تفهم هذه اللغة لا يعني سوى أن معرفتك بالله هي معرفة ناقصة قاصرة." وصدق أپدايك فيما قاله، ولكن شيئاً من هذا لا يبدو في روايته، ولا يعبر عنه من قريب أو بعيد على الرغم من ارتفاع صوته بالرواية.

يقتصر تناول أپدايك لآي القرآن على ما انطوت عليه نفسه مما أراد التعبير عنه للقارئ خدمة لغرض هذا الإرهابي "المحبوب"، المراهق المضطرب، الذي يعاني من صراعات داخلية قد يكون لها ما يبررها.

وفي هذا الجو المشحون بالرواية لا يمكن لأپدايك أن يسمح لقارئه بالخروج قبل أن يدلف إلى باب الجنس، وهو موضوع محبب لدى أپدايك. فهاهو جاك لي?ي يتقرب جنسياً من تيري (تيريسا) مالوي أم بطل الرواية، وهي لا ترده وتنشأ بينهما علاقة جنسية تمتد إلى عدد من المشاهد. وقد فعل المترجم خيراً إذ لم يضمَّن تلك المشاهد ترجمته وما ذلك إلا لفحشها وبذاءتها، وعدم خدمتها لغرض روائي سوى دغدغة عواطف المراهقين والمراهقات. وقد أضفى أپدايك الخبير بالمشاهد الروائية الجنسية الصارخة على جاك لي?ي وتيريسا عدداً من الصفات الواضحة في روايته فهما شخصان "عاديان" لا يعترفان بوجود إله، ويتسمان بالسخرية والتهكم، والتجاوب مع العصر الحديث، وكل هذه الصفات هي ما تجعلهما "محببين" وقريبين من القارئ - الغربي بالتأكيد، وخاصة ذاك اليهودي الذي لا يؤمن بعقيدة، ولا يهتم لأصحاب العقائد الأخرى.

تدور أحداث الرواية حول أحمد مولوي عشماوي ذي الأصول المختلطة، فأبوه مصري رحل عنه وعن أمه واختفى ولم يبلغ أحمد الثالثة من العمر. أما أمه فأمريكية من أصل أيرلندي ذات ميول "الهيبيز". ويعيش أحمد في بلدة صناعية، هي نيو بروسبكت بشمال نيوجيرسي، وهي بلدة تنبعث منها رائحة الفقر والجنس والدونية بأشكالها المختلفة. تحول أحمد إلى الإسلام وهو في الحادية عشرة من العمر، وبدأ ينظر -كما يريد منا أپدايك أن نصدق- إلى كل شيء حوله من منظور إسلامي، فأصبح يرى في كل شيء حوله في المجتمع مصدر تهديد له ولعقيدته -التي لا يعرف أپدايك باعترافه عنها شيئاً ويحاول أن يقنعنا بتفسيراتها من خلال أحمد ذي الثمانية عشر ربيعاً- فيرى أحمد أن المجتمع غارق في المادية، منغمس في الملذات الحسية. ويدور بينه وبين مرشده الأكاديمي بالمدرسة حوار في بداية الرواية لا يمكن للقارئ أن يخطئ فيه صوت المؤلف وتعليقاته -وهو صوت مرتفع في الرواية بأكملها. وهذا المرشد المدرسي يهودي يدعى جاك لي?ي. أما الشخصية الأخرى التي تظهر منذ بداية الرواية فهي زميلة أحمد بمدرسته الثانوية "جوريلين غرانت". ولا حاجة للاستفاضة في مسألة فشل كل منهما في تحويل أحمد عما يعتبره "الصراط المستقيم"، إذ أن نصح جاك لي?ي له مغلف بنظرته الكئيبة للمجتمع والمستقبل وعلاقته بزوجته السمينة "بث"، أما جوريلين ذات البشرة السوداء فاهتماماتها ببطل القصة اهتمامات جنسية صريحة.

وعلى هذا يخبرنا أپدايك أن أحمد عشماوي يعيش في منطقة فقيرة، وكذا الشيخ رشيد، وأحداث الرواية عموماً. وهو بذلك يروج لنفس الفكرة السمجة الخرقاء أن من أسباب "الإرهاب" الرئيسية الفقر، فضلاً عن الجهل (فبطل الرواية في الثامنة عشرة ، ويدرس بمدرسة ثانوية لا يتلقى فيها علوماً نافعة، وشيخه يبلغ سنه ما بين الثامنة والعشرين والثامنة والأربعين حسب وصف أپدايك)، وهي فكرة سائدة في أذهان الكثيرين من العامة، وهي نفس الفكرة التي كان يروجها "الساسة" الغربيون من قبل إلى أن تخلوا عنها وألقوا بها للعامة لتلوكها ألسنتهم، وتختلط بعقولهم. فمن يصفونهم بالإرهابيين، ويتهمونهم بالإرهاب لا لشيء سوى أنهم مسلمون اتضح أنهم ليسوا من الفقراء، وليسوا من الجهلة ناقصي التعليم. ودون الاستفاضة في تفنيد هذه الرؤية القاصرة، والرد عليها من جانب من يصفهم الغرب عموماً بالإرهابيين، سواء انطبق عليهم هذا الوصف أم لا، فإن التحليل الأمثل يكون من زاوية مختلفة. فأپدايك يقول لنا إنه أراد أن يقول شيئاً أو أشياء "من وجهة نظر "الإرهابي" - وليس المسلم لأن هذا مفهوم ضمناً. وعليه حت ينظر القارئ أيضاً إلى الإرهابي من نفس المنظور. إن زعيمة الإرهاب الأولى في العالم -كما هو معروف- هي أمريكا، ويتكون محور الشر العالمي من أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، والأخيرتان أذرع للأولى التي تتحكم فيها الأخيرة، وهي مفارقة غريبة سمجة ساخرة. وهذه الدول الثلاث لا توصف بالفقر ولا الجهل -مع تحفظنا على المراد من كلمة الجهل هنا. ولو سلمنا جدلاً بأن الفقر سبب الإرهاب، وأن الشخص قد يكون مدفوعاً بحقد على "الأغنياء" ليقوم بعمل قوامه العنف فإن هذا الشخص محدود بالقدرات المتوفرة له. فما يمكن أن يسببه من ضرر محدود كذلك بما لديه من إمكانات. وإذا نظرنا إلى الولايات المتحدة مثلاً فهي ليست شخص، بل دولة بأكملها، بل إن قدراتها ليست قدرات مجموع أفرادها، بل تفوق هذا بكثير؛ ذلك أن الأفراد لا يتحكمون في مقدرات الدولة بل العكس هو الصحيح. وما للدولة من أسلحة وأنظمة وأجهزة عاملة وقدرات نافذة ووسائل مسيطرة تتحكم فيها يجعل منها أقوي من أي مجموعة كانت. وعلى هذا فما هو المبرر الأمريكي للإرهاب؟ أهو الفقر أم نقص التعليم؟

ولكن أپدايك رغم هذا لا يقول في روايته إن سبب تحوِّل أحمد عشماوي إلى إرهابي هو فقره، أو نقص تعليمه، أو جهله. فهو يصوره شخصاً مضطرب التفكير، مشوش. يريد أن يفعل شيئاً في سبيل دينه وإرضاء ربه. يحاول الحفاظ على ماهيته الدينية، والتمسك بأهداب إسلامه بقدر ما يمكن لشاب يافع أن يفعل في مجتمع غربي مفتوح، لم يعرف غيره، ولم تقع عيناه إلا عليه منذ يوم ولدته أمه. وهذا الشاب يمر بتجارب عادية فينهي دراسته الثانوية بينما يدرس للحصول على رخصة لقيادة شاحنة، وينجح في اختبار القيادة. وما أن ينهي دراسته حتى يبدأ في العمل سائقاً بشركة أثاث. ويصاحبه في بعض مهام نقل الأساس تشارلي شهاب ابن صاحب الشركة لبناني الأصل. وبعد عدد من الحوارات يصعب الربط بينها وكيف تحول تشارلي من الحديث عن فتيات الإعلانات وجمالهن وفتنتهن وإعجابه الجسدي بهن، إلى الحديث عن سخطه عن أمريكا وغيرها من الدول التي تسير سيرها ضد العرب والمسلمين. وهذه النقلة تجعل القارئ يستغرب، بل يشعر بوجود شيء غير عادي. هناك شيء مفقود؛ فالأشياء لا تحدث بهذه الطريقة. والأدهى والأمرّ إن تشارلي شهاب هذا يتفق مع جوريلين ويقدم لها مبلغاً كبيراً من المال لتمارس البغاء مع أحمد حتى يفقد عذريته، ويدخل عالماً جديداً. فنرى تشارلي في جانب مخطط لعملية تفجير كبيرة يفترض أنها ستصيب أمريكا في مقتل بدافع الدين والقيام بعمل "جهادي" في سبيل الله، بينما يعمل قوّاداً في نفس الوقت، لا لسبب سوى أن يوقع من سيقوم بعملية تفجير الشاحنة (أحمد) في خطيئة الزنا. ويصور أپدايك هذا بصورة عادية، لا تتسم بالغرابة إطلاقاُ وكأن المسألة ليست فيها أي نوع من الغرابة، وغياب المصداقية، إن لم نقل السخف. والغريب أن الذي ينقذ أحمد من الوقوع في هذه الخطيئة هو أحمد نفسه. فمع ميله الجسدي لجوريلين إلا أنه لم يكن ليرى نفسه يطارحها الجنس مقابل المال، لمعرفته بها زميلة في المدرسة الثانوية. بل هو أميل إلى تخليص روحها مما تعيش فيه من حالة عدم الإيمان.

نعم لقد صدق أپدايك حين قال إنه يريد أن يقول أشياء من وجهة نظر الإرهابي، وهذا الإرهابي لم يكن أحمد عشماوي، بل هو أمريكا نفسها. ومن هنا كان تصوير شخصية بطل الرواية وأحداثها من منظور أمريكي يصبغ الآخرين بصبغة أمريكا أولى بها.

 

 
الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقع تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels