|
رسام الكاريكاتيرعدنان عباس: اجتياح مأساة
العراق ببسمة
مهنته أن يصنع من المأساة بسمة، ويجعل من
اللون الأسود المأساوي لونا أبيض يعكس الضحكات
التي تعلو الشفاه، عندما ترى رسوماته تحس
وكأنك تهبط إلي عمق الواقع العراقي الآني وما
يحمله من معاناة ومآس أصبحت جزءا من الحياة
اليومية، مُركزا في الوقت ذاته على سلبيات
المواطن العراقي، وما آل إليه حال هذا البلد.
"عدنان عباس" رسام كاريكاتير عراقي من مواليد
حي الدورة ببغداد عام 1956، يأبى إلا أن يُعمل
قلمه فيما يعرض له من مواقف سلبية، ويحاول
دائما تجاوز الخطوط الحمراء التي تُرسم أمامه
ليظل فنه حرا ملكا للشعب العراقي فقط، وهو يرى
أن الوصول بفنه للعالمية يبدأ من رصد مأساة
الشعب العراقي، مستنيرا في ذلك بالطريق الذي
سلكه لنفسه فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي
العلي.يعتمد "عباس" في أعماله الكاريكاتيرية
على إبراز ملامح المشهد العراقي الدامي، إضافة
إلى إشارات إلى الأحوال العربية بصورة عامة،
مستخدما في ذلك أدوات بسيطة تتكون من القلمين
الرصاص والحبر والأوراق البيضاء.رسام
الكاريكاتير العراقي عدنان عباس حل ضيفا على
العاصمة النمساوية فيينا مدة 6 أشهر يعود
بعدها إلى العراق لمواصلة دفاعه عن بلاده
بطريقته الخاصة، وفي مقر إقامته بفيينا كان
معه هذا الحوار.
أنا ابن البيئة
* دعنا نلقي بعض الضوء على نشأتك بصفتك فنان
الكاريكاتير المكرس؟
-أنا من مواليد 1956 بحي الدورة بالعاصمة
العراقية بغداد، نشأت وتربيت في وسط شعبي يعبر
عن واقع الشعب العراقي، وتاريخه المتأصل في
أرض هذه البلاد؛ فأنا ابن للبيئة التي ولدت
وعشت بها، ويعبر كثير من أعمالي عن واقع هذه
البيئة وأهلها البسطاء الذين يمثلون في نظري
المواطن العراقي الأصلي.
هذه الخلفية التراثية الشعبية كان لها بالغ
الأثر في تكوين شخصيتي، وكذلك في بلورة موهبة
الرسم عندي منذ الصغر.
*كيف بدأت موهبة الرسم تتنامى في داخلك؟
-أصابني ولع شديد بفن الكاريكاتير منذ نعومة
أظفاري، وكنت أتحين الفرص لأذهب إلى جيراننا
لمشاهدة التليفزيون الذي كان جهازا نادر
الوجود، حيث لم يكن في الحي بأكمله سوى 3 أو 4
أجهزة، كنت أذهب لمشاهدة حلقات الكارتون
الساعة السادسة، وبمجرد أن أعود إلى البيت
تحاول يداي أن تحاكي ما رأته عيناي.
كما كانت ترد إلينا من مصر مجلات الأطفال،
أذكر أشهرها مجلة "سمير"، وكانت مجلة مصورة
للأطفال بها رسوم كاريكاتيرية كانت تجذبني.
وما زالت إبداعات رسامي الكاريكاتير المصريين
منطبعة بمخيلتي حتى اليوم، وأذكر منهم
الفنانين صلاح الباد وصاروخان والليثي، فعلى
الرغم من أن الرسوم عامة شيء جامد فإنك تشعر
كأن ما يخرج من أقلامهم هو عمل ينبض بالروح
والجاذبية، وأنا أسمي هذه المرحلة في حياتي
بمرحلة المشاهدة والتقليد.
ثم تلتها مرحلة القراءة ونشأة الفكرة، حيث
تمكنت في فترة الستينيات، مع اجتياز المرحلة
الخامسة للتعليم الابتدائي، من القراءة وتعميق
موهبة الرسم وما استصحب ذلك من نشوء أفكار
خاصة بي.
وكانت تصدر في العراق في هذه الفترة مجلتان
ساخرتان هما مجلة "الفكاهة" لحميدة المحلي
ومجلة "المتفرج" لنجيب حسون فانهلتُ على
أعدادهما بشغف وتمكنت من خلال قراءة القصص
الفكاهية من بلورة أفكار خرجت من قلمي في صورة
رسوم شبه بدائية.
وفي تلك الفترة أيضا وقعت عيناي على إبداعات
"غازي" رسام الكاريكاتير العراقي الشهير
الراحل، ابن منطقة الفضل الشعبية ببغداد؛ فقد
كان غازي ينقل بطريقة ساخرة لاذعة حقيقة
وطبائع الناس بصورة يومية، وبدأت أنا أقلد هذه
الرسوم، ووجدت استحسانا وتشجيعا من أصدقائي في
المدرسة.
والمرحلة الثالثة في حياتي الفنية تبلورت في
نهاية الستينيات من القرن الماضي، وتحديدا في
عام 1967، في هذه المرحلة بدأت ظهور المجلات
المعرفية الترفيهية وخاصة الواردة من لبنان،
فيما توسعت دائرة اطلاعي على هذه النوعية من
المجلات فوقعت يداي على مجلدات مغامرات تان
تان البلجيكية، وشدني إليها ذلك الرسام
البلجيكي العالمي الذي يدرس تقاليد وعادات
الشعوب، ثم ينقل طبائع العمران والبلدان من
خلال رحلات هذه الشخصية المحببة التي تتميز
ببراءة الوجه.وتطورت لدي ملكة الرسم الساخر
منذ تلك المرحلة، وأحاول دائما أن أدخل
تطويرًا على أفكاري وأدواتي.
أترصد المشاكل
* ولماذا اخترت مجال الرسم الساخر
"الكاريكاتير" تحديدا؟
-فن الكاريكاتير هو فن السهل الممتنع؛
فالكاريكاتير على بساطته يغني في مضمونه عن
مقال كامل في صحيفة، وأكثر ألوان الكاريكاتير
نجاحا تلك التي لا تحتوي على تعليق، كما أن فن
الكاريكاتير مفهوم لدى جميع ثقافات العالم،
وليس في حاجة إلى توضيحات إضافية أو الإلمام
بلغة معينة.
تلك أهم الأسباب التي جعلتني أميل إلى هذا
الفن الراقي، إضافة إلى أن طبيعة فن
الكاريكاتير أنه يكون دائما مرافقا للحدث
مواكبا له، ولذلك فإن رسام الكاريكاتير يجب أن
يكون على دراية وإلمام بما يدور حوله من
أحداث، سواء على المستوى المحلي الضيق أو
العالمي الواسع، فيترصد شؤون الناس اليومية
ومعاناتهم ويعبر عنها بما تجود به ملكته.
كما أن الكاريكاتير هو فن المبالغة، لكن بهدف
إظهار عيب ما أو معالجة قضية أو أزمة ما؛ فهو
يصور المصيبة أو المشكلة بطريقة تهكمية
ويطرحها بشكل مباشر لاذع، قد تمس كبير المنصب
أو صغير القيمة؛ فالكل سواء أمام رسام
الكاريكاتير الذي يهاجم بقلمه ليظهر عيبًا.
* إلى أي المدارس تنتمي أعمالك الفنية؟
رأيي أن فن الكاريكاتير ليست له مدرسة محددة؛
فالكاريكاتير ليس من لوحات الفن الحديث التي
يجب أن تصنف تحت مدرسة بعينها، بل هو فن يحمل
نبض الشارع؛ فهو فن للجميع ولكل الناس ولا
يمكن أن يدخل إلى الصالون فمكانه في المقهى او
في الشارع.فالكاريكاتير فن حر يعبر عن صاحبه،
ولكن أحسن كاريكاتير يجب أن يكون سهلا معروفا
للجميع حتى للأمي، وسأضرب لك مثالا على ذلك
بالفنان المصري جورج بهجوري؛ فأنت إذا رأيت
رسومه بصورة سطحية تعتقد أنها كخربشة الأطفال،
ولكن إذا حدقت بها وتأملت فيها جيدا تجدها
تحمل معاني قوية للغاية.
فبهجوري يحمل معنى الفكرة أكثر من إتقانه
للرسم، بينما هناك رسامون أقوياء ولكن الفكرة
عندهم ضعيفة، ومثلا لذلك الفنان العراقي ضياء
الحجار؛ فأنا أتمنى أن أكون جزءًا منه في
موهبة الرسم إلا أن مشكلته أنه ليست لديه
أفكار فهو يرسم فقط.
ناجي العلي.. القدوة
* إذن فما هي اتجاهاتك في الرسم الساخر؟
الكاريكاتير فكرة تجسدت في الرسم لإبراز عيب
أو مشكلة، وهناك نوع من الكاريكاتير يعبر عن
المأساة فقط، فلا تجرؤ البسمة أن تمر عبر
شفتيك من فرط الحزن الذي يشتمل عليه
الكاريكاتير.
وقد ابتكر هذا اللون في العالم العربي الفنان
الفلسطيني بطريقة الكاركاتير الراحل ناجي
العلي الذي جسد معاناة فلسطين على مدار عمره
حتى مقتله في لندن فهو الرسام الوحيد الذي جسد
المأساة بالكاريكاتير دون سخرية أو فرحة أو
بسمة بل تشعر بالحزن والتأثر؛ فهو جسَّد
الواقع ونجح في ذلك وكان من الرسامين العرب
الأقوياء.
ويليه الفنان الأردني عماد حجاج الصحفي بجريدة
الغد الأردنية؛ فهو ينزل الفكرة مكثفة ومصقولة
ويحاجي بها كل الأطياف وفي نفس الوقت كأنه
يعيش في قلب الحدث، وتليه في هذا اللون
الفنانة الفلسطينية أمية جحا.
أما من داخل العراق فهناك عدد من الرسامين لا
يستطيعون التعبير بحرية بسبب الطبيعة الأمنية
الحالية في البلاد. وأنا أحاول من خلال رسومي
أن أنقل الواقع المأساوي المزري الذي نعيشه،
وعملت لدى العديد من الجهات الصحفية
والإعلامية، وكان هناك من يحاول أن يرسم لي
خطوطا حمراء كنت أرفضها؛ لأني أومن بأن الفنان
إنسان حر يجب أن يستشعر هذه الحرية حتى يحقق
الإبداع.
* هل حاولت أن تخرج بفنك إلى نطاق العالمية
الواسع؟
- كل فنان يطمح للعالمية، ولكن لا تنس أن
المحلية أساس للعالمية، وضربت لك مثلا منذ
قليل عن ناجي العلي؛ فهو لم يرسم شيئا إلا عن
فلسطين وعلى الرغم من ذلك فقد طبقت شهرته
الآفاق. وما من شك أن ترويج قضيتك إعلاميا
يسهم في انتشار فنك الداعي إلى حل هذه القضية،
وقد انطبق ذلك أيضا على ناجي العلي.
أما العراق فعلى الرغم من التكثيف الإعلامي
حوله فإن نقل الإعلام لا يحاكي الواقع ولا
يماثله على الإطلاق؛ لذلك فانطلاقك للعالمية
من خلال القضية العراقية قد يستغرق بعض الوقت.
وأنا أرى أن الكاريكاتير جزء من الثقافة وهذا
لا يأخذ منحاه الطبيعي إلا في حالة استقرار
أمني عادل وحرية عادلة، وعلى رغم من اهتمامي
بمأساة المواطن العراقي، فإني تناولت في بعض
رسومي قضايا أخرى متنوعة، مثل إعصار تسونامي
في إندونيسيا والحرب على لبنان، والمجازر
الصهيونية في فلسطين، ولكن تبقى مشاكل البيت
تحتل مكان الصدارة في أعمالي.
كما أنني أطمح في أن أكون منافسا عالميا من
خلال إنتاج أفلام الكارتون، وكانت لي سابقة في
هذا المجال في عام 1991 عندما رسمت فيلما مدته
15 دقيقة يعرض للضربة الأمريكية على العراق،
وحصل هذا الفيلم على الجائزة الأولى في مهرجان
ميلانو في الأفلام السياسية القصيرة.
* وماذا عن حركة فن الكاريكاتير بالعراق؟
- بدأ فن الكاريكاتير يدخل العراق على استحياء
في بداية القرن الماضي ولم يلق الاهتمام
الكافي، ولكن بعد نهاية الحرب العالمية
الثانية، ومع تزايد نسبة المتعلمين من القراء
حصل شبه انفتاح، وتأثر بالثقافات الأخرى،
وكانت الانطلاقة الحقيقية مع إصدار "قرندل
كوزموس" أول مجلة عراقية ساخرة تنقل عن رسامين
عالميين، وكان الفنان غازي هو الرائد الأول في
فن الكاريكاتير بالعراق، يليه الفنان فؤاد
حسون، ولكنه مع الأسف على الرغم من موهبته لم
يطور فنه فتراجع عن الساحة.
وفي فترة السبعينيات ظهر كم هائل من رسامي
الكاريكاتير بالعراق مثل عبد الكريم السعدون،
الذي برز إبان الحرب العراقية الإيرانية، وبلغ
عدد الرسامين نحو ألف رسام، وكل له أسلوبه،
أذكر منهم ضياء الحجار ووليد نايف.
الأحوال التي مر ويمر بها العراق تقف في كثير
من الأحيان حاجزًا وعائقًا أمام ظهور مزيد من
الإبداعات الفنية التي نأمل أن تحتل مكانتها
التي تستحقها في حركة الفن العالمي في يوم
قريب. |