|
بغداد تملأ الدنيا وتشغل الناس ”طريق
الفردوس”’ ..رحلة في أرض السواد
صدرت عن “منشورات المؤتمر” في العاصمة
الليبية طرابلس رواية جديدة للكاتب والأكاديمي
العراقي الدكتور محمد جاسم فلحي بعنوان "طريق
الفردوس: رحلة في أرض السواد" يسرد فيها أحداث
وتفاصيل وذكريات العودة إلى العراق، بعد
الاحتلال الأميركي، والصعوبات والمواقف
الخطيرة التي واجهها في هذه الرحلة، التي بدأت
من مدينة البيضاء في شرق ليبيا، مرورا
بالقاهرة وعمَّان، ثم الدخول إلى العراق.
ويتحدث الكاتب بأسلوب مبسط وشيق عن مشاهداته
وانطباعاته، وكأنه يقدم شريطاً مصوراً، بطريقة
مبدعة، موضحا هموم العراقي المغترب عن وطنه،
ويصف الكاتب أحوال بغداد، ومعاناة شعبها قبل
سقوط النظام البعثي وبعده. وفي صور أخرى يرسم
ملامح شموخ شعب العراق، الواقف مثل أشجار
النخيل، حيث يقول: "مدينة السلام. قصيدة شوق،
وأغنية حب، ونخلة باسقة، وعيون ساحرة بين
الرصافة والكرخ. بغداد، دجلة، والشعراء والصور
والقصور والقبور والسجون والمآذن والقباب. هذه
المدينة التي كان العالم، طوال قرون، يروي
عنها حكايات ألف ليلة وليلة، تبث اليوم في
فضاء العالم أخباراً وقصصاً وحكايات عن الموت
والعذاب والفوضى والوعود. بغداد تملأ الدنيا
وتشغل الناس بتاريخها العريق، وحاضرها
المضطرب، ومستقبلها الغامض، فتثير فرح
المقهورين، وتبعث صوت المظلومين المطمورين في
المقابر الجماعية، وتطلق صرخة الحرية المكبوتة
في أعماق الوجدان العربي، وتتفهم غضب
المدافعين عن شرف العروبة والإسلام، وتتحدى
مراهنات الذين يريدون إعادة التاريخ إلى
الوراء." ويكشف محمد فلحي في روايته التي يمكن
أن توصف بأنها تنتمي لأدب الرحلات عن جوانب
الحياة القاسية في العراق، ويروي الكثير من
الذكريات المريرة عن أكثر من ثلاثة عقود من
تاريخ بلده، في ظل الظلم والحروب والأزمات
والحصار، ومن ثم الاحتلال، فيقول: "غيوم الصيف
المبعثرة ترسم ظلالها على الرمال الساخنة، في
حين تحولت بساتين النخيل، بسبب العطش والجفاف،
إلى طرق ترابية وعربات محطمة وجذوع محترقة،
وعندما جاءت طيور الشمال المهاجرة إلى
مستنقعات الأهوار، عند نهاية نهر دجلة، في
أقصى الجنوب، لم تجد سوى خيط رفيع من الماء
الملوث بالزيت الأسود، ولم تستطع مواصلة
رحلتها الشاقة، وربما كانت محملة بفيروس
الأنفلونزا القاتل، فراحت تنتحر على الرمال
لتصبح فريسة سهلة للثعالب والكلاب السائبة.في
حين كانت ملامح الحياة تتفتح، عند بعض حافات
الأهوار، من خلال مساحات الخضرة والأزهار
الملونة الممتدة على الشواطئ، التي بدأت
المياه تعود لتغمرها من جديد، بعد أن عمدت
السلطة السابقة، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً،
إلى تجفيفها، وتهجير الكثير من سكانها، وغيّبت
الآلاف منهم في سجون لم يخرجوا منها إلا نحو
مقابر جماعية مجهولة." ويستمر الكاتب في هذا
السرد الفيّاض عن حضارة راسخة وتاريخ لا يزال
حيّا يتحدى الموت والدمار: "في (تل حفيظ)
الغامض ترقد آثار مملكة سومرية قديمة، لم
يتجرأ أحد على اكتشاف أسرارها، بسبب الأساطير
التي يرويها سكان الأهوار حول وجود جيش من
الجن، يتصدى لمن يريد التوغل، في هذه الأرض،
التي يحيطها سور من نباتات القصب والبردي
والمستنقعات المائية.وقد أكد العجوز مراراً
على أنه شاهد، من بعيد، وسط ظلمة الليل، مشاعل
نيران متوقدة، فوق التل، وسمع صهيل خيول ورنين
سيوف ورماح، وصراخ جنود يتقاتلون أو يتدربون،
وذلك عندما كان يترصد طيوره في أحد المخابئ
القريبة. وقد رأى صباحاً آثار حوافر الخيل،
لكنه لم يعثر على جثث أو دماء أو بقايا سيوف
محطمة." ويمكن القول إن "طريق الفردوس"، أو
طريق الحرية كما يراه الكاتب محمد فلحي ليس
مفروشا بالورود، فقد سفكت الكثير من الدماء
على حافاته، وأزهقت الآلاف من الأرواح البريئة
عن منعطفاته. ولا يزال المشهد العراقي الدموي
مستمراً. |