الحلم المستحيل ... في رواية {”المنعطف}” للكاتب حنون مجيد

 شيئان مزعجان ومروعان يظن الأديب إنهما يحطمان وجوده.. ويمزقانه أشلاء .. هما الوضع الاجتماعي والسياسي والشعور العنيف باللاحرية.. الاثنان متداخلان ومتناقضان . متداخلان بمعنى إنهما لازمان معا لوجود الكاتب القوي المتفرغ المكثر . ومتناقضان بمعنى إن وطأه الوضع الاجتماعي والسياسي لاتؤثر في الأديب ألا من داخله . إن اللاحرية , وضع تختاره السلطة كي توقف التقدم , وتخمد النقد و المعارضة , وهي لاتؤثر في الأديب الا من خارجه , أي في اللحظة التي يستحيل فيها وعيه إلى نشاط اجتماعي غايته الوصول إلى الآخرين والتأثير فيهم .. وإحساس الأديب بفظاعة هذين العاملين وشدة تأثيرهما المدمر راجعة إلى انه يتعمد الخلط فيضع دلالة كل منهما في مكان الأخرى ..والأمر الحقيقي هو إن العاملين يؤثران داخلياً وخارجياً نفسياً وسلوكياً , ولكنهما يختلفان ويتباعدان في لحظة واحدة هي اللحظة التي يقرر فيها الأديب إن عزلته لم تصبح ملكه وان عليه عبء إنقاذ البشر الذين يعانون المعاناة نفسها.والأديب طاقة ذات حدين , احدهما مغروس في الواقع الآني والآخر مدفون في المستقبل . ومثلنا الآن رواية {المنعطف} وكاتب يعيش في بغداد آنذاك يحكمها طاغية باطش لا يعرف العدل ولا يسلم بجدوى الفن والكلمة والفكر واعتمد سياسة كم الأفواه .. وهنا تتجلى محنه الأديب الذي عاش الواقع منتصراً يقرأ ويحادث الناس , ويدرس الظواهر والحنايا , ويفطن إلى الأمور وقد توصل بعد كل ذلك إلى قرار بشأن هذا الطاغية , وبشأن النظام الذي يحكم وطنه .. انه في هذه اللحظة أي في لحظه وعيه وإدراكه , ليس حراً بعد . فالحرية الداخلية ليست نمطاً في التفكير ..ابداً , أنها خطوه ضرورية إلى الخارج .. أي إنها لأتكون كذلك إلا في اللحظة التي يشاء فيها هذا الأديب إن السفر إلى {سرمارا} أشبه بسفر إلى حلم مستحيل . إن الحالة الفكرية في الوطن تسهم في تكبيل الأديب وعرقله فكره , فان حريته الخاصة تدفعه إلى التخلص من كل هذه الروابط والسلاسل , وتؤلف حالة نفسية خاصة , تعلو إلى الواقع الاجتماعي , بل وتسلبه وجوده , وتعطيه هذه المزية النادرة وهي القدرة على تفتيت الوضع من جميع جوانبه, وتسليمه نظيفاً وشيقاً ومعقولاً إلى الآخرين .. عندما تجتمع البساطة والعمق , الصدق والفن , الشاعرية المرهفة والواقعية . حب الحياة والقلق على المستقبل , عندما يجتمع كل ذلك في نفحة متآلفة منسجمة , تولد الروائع .. ورائعة الكاتب حنون مجيد في رواية {المنعطف} هي خير من يمثل الواقعية والرمز في الرواية العراقية , وهو من ارتقى في أدبنا الروائي إلى أقصى ما قدر له من كمال . انه اندمج في حركة الرواية وتسلسل إحداثها, لكي يدرك الحدث وتحليله في آن واحد , ولكي يشارك في تصرفات الشخصيات وبواعثها في الوقت نفسه . وأقام ضرباً من التوازن بين تصوير المناظر وتسجيل الأحاسيس , بين عرض الأحداث وتحليل العواطف , بين اللقطات الموضوعية والملاحظات الذاتية ... كما انه افرز حقيقة هي إن الحياة رحلة قصيرة تتخللها دروب وحواجز ومتاهات كرحلته إلى { سرمارا} ص43 {ويخيل ألي الآن , إن اغلب الرحلات التي حققت أهدافها عبر طريق شاق وطويل , تلك التي كانت الصحبه فيها جميلة والقيادة أمينة . واغلب الظن إن رحلتنا .كان يمكن إن تكون كذلك , لو كانت عربتنا غير هذه وسائقها غير هذا.} أنها رسالة وصرخة بوجه الطاغية المستبد رغم سياسة كم الأفواه آنذاك , فاعتماد الرمز يتجلى بوضوح الهدف . وكيف إن الكاتب قامر برقبته إمام نظر النظام القمعي . والعجيب أنها مرت على لجان الفحص والرقابة الصارمة .. وفي ص73 { لحظة بعد أخرى كانت وجوه الركاب تعلن في مظاهر بادية , عن الاستياء , وغربتها عن الرجل الذي يقودها , وتبحث في الوقت نفسه عن منقذ ينقذها من الوضع المجهول الذي آلت إليه} هذه بعض خطوط الرواية التي أرخت لفترة بطش وقمع واستبداد. تصرف الكاتب بشكل ذكي ادخل لأجوائها نكهة خاصة تسحب القارئ للمواصلة الجادة وأعادة الذكريات لمن يرون فيها حياتهم التي ضاعت هدراً بين من تشرذموا لصالح الطاغية وأوغلوا يكيلون له المديح على أفعاله ليوغل في ساديته .. هذه هي دروب الرواية محفوفة بالمخاطر والضياع في دوامه الصحراء ومتاهاتها {فسرامارا} قد تكون وهماً ...ص117 {فذلك البعد الذي يسعى إليه لم يعد إلا شيئاً مجهولاً ليست له حتى الان ملامح أو شواهد تعلن عنه أو تشير إليه , إنما كغريق في ليل أمست ألعربة تعوم في الصحراء وتطوف في الأفاق} ينقلك الروائي في هذه الرحلة والتي يبدو انه استعد لها استعداداً واضحاً, فقد أصبح أسلوبه مليئاً بالندى الشاعري الحلو , وأصبحت لكتابته موسيقى داخلية تتسرب إلى روحك تسرباً عميقاً وتشعرك حقاً أنة الفنان الذي كان يتحدث عن الإنسان في العراق خلال فترة المتاهات والأزمات العاتية والظلام المقيت أبان سلطة القمع والاستبداد . والجدير بالذكر , إن انقطاع الارتباط مع العالم , أو غياب الشعور برسوخ العلاقة به ,ليس بالأمر الهين أو المحتمل . انه كحرمان الإنسان أرضا يستند إليها بقدميه, أو كتعريته من الثقة وإلقائه في دوامة تأزم نهائي يكتنز بالشك والقلق باسوء معطياتهما النفسية . والإنسان حين يضيع وتده الذي يسمره إلى العالم , يضيع منه اليقين , فيتخبط في جوف الصحراء ومتاهاتها غارقاً ببطء ,وبوحدة مرعبة مسمومة .. وتتميز هذه الرواية بصفاء الرؤيا , وبحرارة اليأس وشاعريه مفرطة أحاط بها المؤلف حراك شخوصه مما جعل روايته مؤثرة ورائعة . أما أسلوبه فهو أسلوب رشيق , مرن , وقلمه يكشف لنا عن تكوينه الفكري الموسوعي , وعن الثقافات المتنوعة التي ترفده , وكانت واقعيته الادبية واضحة جداً , وموهبته تتجلى دون شك في رواية {المنعطف}..

 
الصفحة الرئيسية مواقع تهمك اتصلوا بنا خارطة الموقع
 
 

الصفحة الرئيسية :: خارطة الموقع :: مواقع تهمك :: أتصلوا بنا

Best Resolution to View this Website is (1024 X 768) pixels