|
العلامة الوردي مفكراً ودراستــه للمجتمــع
العــراقي
كثيرة هي الشخصيات الثقافية و الأدبية
والعلمية في العراق التي مانالت حقها في
التكريم أو دراسة نتاجها دراسة علمية وموضوعية
. أما لتجاهل وإقصاء من أنظمة سابقة ولاحقة ،
أو لاختلافات فكرية أو أيديولوجية تحولت عند
الطرف الأخر إلى كراهية ومعاداة.الدكتور علي
الوردي باحث وعالم اجتماع عراقي ، عاد إلى
العراق بعد أكمال دراسته العليا في بيروت
وأمريكا ، وهو محمل بالكثير من المشاريع
الثقافية.
" وعاظ السلاطين " كتابه الأول في الخمسينيات
وكانت له المواجهة الأولى في طروحاته الجريئة
، مواجهاً بها خطاب المؤسسة الدينية التقليدية
التي ساهمت وعن قصد في تخلف وخنوع الفرد
العراقي ، أما لسلطة جائرة أو لأفكار متخلفة ،
وجاء كتابه الثاني " مهزلة العقل البشري "
الذي تناول فيه ظاهرة التناشز الاجتماعي و
العقلية التاريخية و العقلية الواقعية في
المجتمع ، مشخصاً هذه الحالة كأحد الأمراض
المزمنة التي أصابت الفرد العراقي.تلتها عدة
مؤلفات هي " خوارق اللاشعور " و " الحلم بين
العقيدة والحلم " و " منطق ابن خلدون". وكان
لكراسه المنشور بعنوان " شخصية الفرد العراقي
" و هو عبارة عن محاضرة ألقاها في بداية
الستينيات والتي أثارت الكثير من الجدل و
الحوارات غير الواعية لطروحاته ولعلم الاجتماع
ومفاهيمه التي يستند عليها وخاصة من بعض
الشخصيات أو الكتاب والتي تحمل مع الأسف
أفكارا تقدمية.فقد تناولت هذه المحاضرة ازدواج
الشخصية كمرض اجتماعي ومدى تأثيره في المجتمع
.أما الذين اختلفوا معه فقد تناولوا هذه
الحالة وفق منظور علم النفس وليس علم
الاجتماع. ركز الوردي على ثلاث نظريات أو
معايير اجتماعية شخصها كأمراض اجتماعية مزمنة
تنخر في المجتمع العراقي منذ أكثر من 1400
عاماً وهي : صراع البداوة و الحضارة والتناشز
الاجتماعي وازدواج الشخصية.في الأولى كان
تأثره بطروحات " ابن خلدون " وهو موجود في
واقع الحال العراقي في التربية البيئية
والاجتماعية من خلال تعزيز بعض القيم البدوية
الفضّة كالسلب والنهب و " الفر هود" وتأثير
مثل هذه السلوكيات السلبية حتى في أهل المدن ،
دون إغفال حقيقي للجوانب الايجابية في الفرد
العربي و العراقي ، مثل الالتزام بالوعد
والصدق واحترام الجيرة ، والتي أضحت ألان
تقريباً في حكم المعطلة ومن امتلكها أصبح في
حكم الشواذ. والثانية التناشر الاجتماعي هذه
الحالة التي تأصلت في الشخصية العراقية
بكلامها وسلوكها أي حمل التناقض في مجمل القيم
التي يتحدثون بها ، وحالنا ألان خير مثال فهو
يتحدث عن الحرية والديمقراطية وفي نفس الوقت
يحرم الآخرين من أبداء أرائهم ، و تأثر الوردي
بطروحات " مايك كيفير" الذي درس الحالة بشكل
مكثف إضافة إلى الطبيعة الاجتماعية التي تتحكم
بها العقلية التاريخية مع نسيان واقع الحال
المعاش.أما الثالثة : ازدواج الشخصية وما
تحمله من كثرة النقاش و الجدل الدائم ، فالصدق
و النفاق و التأييد والعداء وتغيير الراي بشكل
سريع تكون مجتمعة في شخص واحد ، وهذه من
الحالات التي تناولها عالم الاجتماع ( أكوبرن
) ، وظل الوردي يتناول هذه الحالة التي تنتشر
في الشرق الأوسط ومنه العراق حيث العقلية
التاريخية و العقلية الواقعية و العيش المبالغ
فيه من الكلام والجدل في الماضي ونسيان الواقع
المعاش وغياب الحلم و التفكير في التغيير
الايجابي .أما منهجية العمل لدى الوردي فهي
جدلية تأثر بأفكار وطروحات ( هيغل ) خاصة في
نظرية الصيرورة و التقدم ، فهو جدلي ، حيث
كانت طروحات الوردي على مبدأ الاستقراء مبتعدة
عن المنطق الأرسطي الذي سار عليه الكثير من
المفكرين ولقرون طويلة. وأمتازت كتابات الوردي
الأخيرة بدءا بكتاب " دراسة في طبيعة المجتمع
العراقي " و " لمحات اجتماعية من تأريخ العراق
الحديث" بتساؤلات و آراء ربما غابت عن الكثير
من المختصين نظرا للظرف السياسي و الاجتماعي
المعاش في حياته.فعلى سبيل المثال في كتابه "
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " تساءل
الوردي : قبل دخول العرب أو لنقل الفتوحات
العربية الإسلامية الى العراق ، أين ذهبت
الأقوام والشعوب التي كانت تعيش فيه ؟ ، من
بابليين ، اكديين وآشوريين ". وكانت لهذا
التساؤل أجوبة مهمة لم يجرؤ الكثير في الإجابة
عليها خوفاً من مجتمع أو سلطة ، أراد الوردي
القول بكل صراحة أن هذه المجتمعات ذاب الكثير
منها في الموجه الأخيرة و ظلت بقايا منهم غير
مؤثرة في المجتمع العراقي ، ولنقل هل كان
المجتمع في بلاد الشام أو مصر على هذه الطبيعة
الاجتماعية قبل دخول ( العرب والإسلام )؟.وفي
كتابه " لمحات اجتماعية من تأريخ العراق
الحديث " وخاصة جزءيه الثاني والثالث ، في
الثاني أثار إشكالية تأثير الأفكار الغيبية
وأحلام الخلاص في خلق حركات واتجاهات لا تخدم
الدين الإسلامي خاصة في العمل على التأويل و
استثماره اجتماعيا بين الشعوب المتخلفة والتي
تنبهر دوماُ (برجال الدين) حيث ظهرت الشيخية و
البابية وانتهاء بالبهائية.وفي الجزء الثالث
تناول الوردي تاريخ " نشوء الماسونية "
عالمياً وعربياً ، وعراقياً دون الإشارة
الواضحة إلى الأسماء في العراق ، أوضح وبشكل
ملغز عن دور الماسونية المؤثر في السياسة
والاقتصاد خاصة في القرنين التاسع عشر و
العشرين حتى يومنا هذا ، علماً أن الكثير من
السياسيين العرب من رؤساء و ملوك و وزراء و
شخصيات سياسية هم أعضاء في هذه المنظمة التي
انتشرت في العالم وبشكل سريع وأضحت مؤثرة فيه
حيث تميزت بانتقاء أعضائها بشكل ملفت للنظر
إضافة إلى سرية أعمالها وطقوسها كما يذكر
عنها. ظل الوردي يؤكد في كتاباته على حالة
وأمراض المجتمع العراقي وضرورة تغييرها وفق
سياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية تساهم في
تطوير المجتمع و الحد من حالاته المرضية
المزمنة وابرز أيضا حالة الولاء في المجتمع
العراق التي تتأثر برجال الدين بشكل كبير رغم
عدم احترامها عند الاصطدام أو عند الرغبة في
الحصول على مكسب أو امتياز ، وهذه الحالات لم
تأت من فراغ. فبلاد الرافدين ظلت لأكثر من
1500 عام منطقة صراعات سياسية مختلفة لم تكن
ترحم عند الاجتياح وخير مثال على ذلك صراع
الأتراك و الصفويين في احتلال العراق تبادلاً
حيث ضرب المثل العراقي ( بين العجم و الروم
بلوه ابتلينا ) ، وفي أحداث القرن العشرين لم
يتناول غير أحداث ( 14 تموز ) والتي اعتبرها
هزة عنيفة في المجتمع بانت أثارها لاحقاً
والان بشكل واضح وسافر.أما تناوله للأحزاب في
العراق فقد أوضح أنها لا تخدم تطور المجتمع
نظرا لعدم فهمها لإيديولوجيتها وسلوكيتها التي
تأخذها في كثير من الأحيان إلى جانب التطرف ،
وظل الوردي ملتزما بآرائه ودعا إلى تطويرها
وإلى دراسة المجتمع الكردي. وفي نهاية
السبعينات التزم الوردي الصمت الذي عنى عند
العارفين والمثقفين انه صرخة احتجاج على أوضاع
بائسة ولم ينشر له شيء سوى كتيب عبارة عن
لقاءات صحفية تضمنت آراءه في علم الاجتماع
والمجتمع العراقي وهي ذات الآراء التي طرحها
في كتاباته. امتازت كتابات الوردي إضافة إلى
جرأتها في الطرح السهولة في العرض و الابتعاد
عن استخدام المصطلحات بكثرة واعتماده على
مصادر متنوعة عراقية وعربية وغربية ، إضافة
لأراء الكثير من المستشرقين ، كان الغرض منها
الوصول إلى اكبر قدر ممكن من الوضوح و الدقة
وصولاً إلى الموضوعية.ادعو ذوي الاختصاص إلى
أعادة قراءة نتاج هذا العلامة و المساهمة بخلق
اتجاه حقيقي لعلم اجتماع عربي وعراقي. |